المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٨ - الباب الثالث فى ذكر تهجده- صلوات اللّه و سلامه عليه
و قالت عائشة: قام- صلى اللّه عليه و سلم- حتى تورمت قدماه، و فى رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت: لم تصنع هذا يا رسول اللّه، و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: «أ فلا أكون عبدا شكورا» قالت: فلما بدن و كثر شحمه- صلى اللّه عليه و سلم- صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع [١]. رواه البخاري و مسلم.
و الفاء فى قوله: «أ فلا أكون» للسببية، و هى عن محذوف تقديره: أ أترك تهجدى؟ فلا أكون عبدا شكورا، و المعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟
قال ابن بطال: فى هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة فى العبادة، و إن أضر ذلك ببدنه، لأنه إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لا يعلم، فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى.
و محل ذلك- كما قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى- ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، و إن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «و جعلت قرة عينى فى الصلاة» [٢] كما أخرجه النسائى من حديث أنس، فأما غيره- صلى اللّه عليه و سلم- فإذا خشى الملل ينبغى له أن لا يكد نفسه، و عليه يحمل قوله- صلى اللّه عليه و سلم-:
«خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللّه لا يمل حتى تملوا» [٣] انتهى.
لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد فى العبادة بمثل ما ذكر،
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤٨٣٧) فى التفسير، باب: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك، و مسلم (٢٨٢٠) فى صفة القيامة و الجنة و النار، باب: إكثار الأعمال و الاجتهاد فى العبادة، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] صحيح: أخرجه النسائى (٧/ ٦١) فى عشرة النساء، باب: حب النساء. من حديث أنس ابن مالك- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى».
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٦٢) فى اللباس، باب: الجلوس على الحمير و نحوه، و مسلم (٧٨٢) فى الصيام، باب: صيام النبيّ فى غير رمضان، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.