المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٧ - الباب الثالث فى ذكر تهجده- صلوات اللّه و سلامه عليه
و قوله: (نافلة لك) أى عبارة زائدة فى فرائضك، و يمكن نصرة هذا القول بأن قوله: (فتهجد) أمر، و صيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبا، و روى الطبرى عن ابن عباس أن النافلة للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، و كتب عليه دون أمته [١]، و إسناده ضعيف.
و قيل معناه: زيادة لك خاصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، و تطوعه هو- صلى اللّه عليه و سلم- يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتى بها- صلى اللّه عليه و سلم- سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، و كثرة الحسنات، و لهذا سمى نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب و السيئات [٢].
و روى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن اللّه افترض قيام الليل فى هذه السورة، تعنى يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [٣] فقام نبى اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه حولا، حتى أنزل فى آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة [٤]. و روى محمد بن نصر فى قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة فى أن بين الإيجاب و النسخ سنة.
و حكى الشافعى عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. و روى محمد ابن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبى عبيدة فى جيش الخبط، و كان ذلك بعد الهجرة لكن فى إسناده على بن زيد بن جدعان، و هو ضعيف. فوجوب قيام الليل قد نسخ فى حقنا. و هل نسخ فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم-؟ أكثر الأصحاب: لا، و الصحيح: نعم، و نقله الشيخ أبو حامد عن النص.
[١] قاله الحافظ ابن حجر فى «فتح البارى» (٣/ ٣).
[٢] انظر ما قبله.
[٣] سورة المزمل: ١.
[٤] صحيح: أخرجه مسلم (٧٤٦) فى صلاة المسافرين قصرها، باب: جامع صلاة الليل و من نام عنه أو مرض، و أحمد (١) من حديث عائشة.