المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٧٠ - الباب الثانى فى ذكر صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الجمعة
و يحتمل قوله «فهدانا اللّه له» بأن نص لنا عليه، و أن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، و يشهد الثانى ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و قبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، و للنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر اللّه تعالى و نصلى و نشكره، فجعلوه يوم العزوبة، و اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، و أنزل اللّه تعالى بعد ذلك إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [١] [٢]. و هذا و إن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد و أبو داود و ابن ماجه و صححه ابن خزيمة من حديث كعب بن مالك قال:
كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة أسعد بن زرارة [٣]. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، و لا يمنع ذلك أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- علمه بالوحى و هو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثمّ، و لذلك جمّع بهم أول ما قدم المدينة. انتهى
و قال ابن إسحاق: لما قدم- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة أقام بقباء، فى بنى عمرو بن عوف، يوم الاثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء و يوم الخميس، و أسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم، فصلاها فى المسجد الذي فى بطن الوادى، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة و ذلك قبل تأسيس مسجده.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يصلى الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري من حديث أنس، و فى رواية: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، و إذا اشتد الحر أبرد
[١] سورة الجمعة: ٩.
[٢] رواه عبد بن حميد فى تفسيره عن ابن سيرين. هكذا قال الحافظ فى «التلخيص» (٢/ ٥٦).
[٣] حسن: أخرجه أبو داود (١٠٦٩) فى الصلاة، باب: الجمعة فى القرى، و ابن ماجه (٨٢) فى إقامة الصلاة، باب: فى فرض الجمعة، من حديث كعب بن مالك- رضى اللّه عنه- و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».