المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٤١ - الفرع الرابع عشر فى ذكر تسليمه- صلى اللّه عليه و سلم- من الصلاة
مما يشغل قلبه فلا يكره التغميض قطعا بل ينبغى أن يكون مستحبّا فى هذه الحالة.
و قد كانت صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- متوسطة، عارية عن الغلو كالوسوسة فى عقد النية، و رفع الصوت بها، و الجهر بالأذكار و الدعوات التي شرعت سرّا، و تطويل ما السنة تخفيفه، كالتشهد الأول، إلى غير ذلك مما يفعله كثير ممن ابتلى بداء الوسوسة، عافانا اللّه منها.
و هى نوع من الجنون، و صاحبها بلا ريب مبتدع مستنبط فى أفعاله و أقواله شيئا لم يفعله النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و لا أحد من أصحابه. و قد قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن خير الهدى هدى محمد- صلى اللّه عليه و سلم- و شر الأمور محدثاتها» [١] و عنه: «إياكم و محدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة فى النار» [٢]. و مما نسب لإمام الحرمين: الوسوسة نقص فى العقل، أو جهل بأحكام الشرع. و من غرائب ما يقع لهؤلاء الموسوسين، أن بعضهم يشتغل بتكرير الطهارة حتى تفوته الجماعة، و ربما فاته الوقت، و منهم من يشتغل بالنية حتى تفوته التكبيرة الأولى، و ربما تفوته ركعة أو أكثر، و منهم من يحلف أن لا يزيد على هذه التكبيرة ثم يكذب.
ثم من العجب أن بعضهم يتوسوس فى حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشى فوات الركوع كبر سريعا و أدركه، فمن لم يحصل له النية فى القيام الطويل حال فراغ باله، فكيف حصلت له فى الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة.
و منهم من يكثر التلفظ بالتكبير، حتى يشوش على غيره من المأمومين، و لا ريب أن ذلك مكروه، و منهم من يزعج أعضاءه، و يحنى جبهته، و يقيم
[١] صحيح: و هو جزء من حديث أخرجه مسلم (٨٦٧) فى الجمعة، باب: تخفيف الصلاة و الخطبة، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه ابن ماجه (٤٦) فى المقدمة، باب: اجتناب البدع و الجدل، من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه-، و للحديث شواهد من حديث العرباض بن سارية أخرجه أصحاب السنن.