المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٣٣ - الفرع الثالث عشر فى ذكر تشهده- صلى اللّه عليه و سلم
و قد تعقبه الأسنوي فقال: لم يستوعب ما ثبت فى الأحاديث مع اختلاف كلامه. و قال الأذرعى: لم يسبق إلى ما قاله، و الأظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتى بأكمل الروايات، و يقول- كما ثبت- هذا مرة و هذا مرة، و أما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة فى التشهد لم ترد مجموعة، و سبقه إلى معنى ذلك ابن القيم.
و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يدعو فى الصلاة: «اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، و أعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، و أعوذ بك من فتنة المحيا و فتنة الممات، اللهم و أعوذ بك من المأثم و المغرم». فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب و وعد فأخلف» [١]. رواه البخاري و مسلم من رواية عائشة.
قال ابن دقيق العيد: «فتنة المحيا»: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا و الشهوات و الجهالات و أعظمها- و العياذ باللّه تعالى- أمر الخاتمة عند الموت، و «فتنة الممات»: يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، و يجوز أن يكون المراد بها: فتنة القبر: و لا يكون مع هذا الوجه متكررا مع قوله: «عذاب القبر»، لأن العذاب مرتب على الفتنة، و السبب غير المسبب.
و روى الحكيم الترمذى فى «نوادر الأصول» عن سفيان الثورى: أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، إنى أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل. و قد استشكل دعاؤه- صلى اللّه عليه و سلم- بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر.
و أجيب بأجوبة، منها أن قصد التعليم لأمته، و منها: أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ باللّه لأمتى، و منها: سلوك طريق التواضع و إظهار العبودية و التزام خوف اللّه، و إعظامه و الافتقار إليه، و امتثال أمره فى
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٨٣٢) فى الأذان، باب: الدعاء قبل السلام، و مسلم (٥٨٩) فى المساجد، باب: ما يستعاذ منه فى الصلاة، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.