المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢١٦ - الفرع السادس فى ذكر قراءته- صلى اللّه عليه و سلم- فى صلاة المغرب
و أما حديث جابر بن سمرة ففيه سعد بن السماك و هو متروك، و المحفوظ أنه قرأ بهما فى الركعتين بعد المغرب.
و اعتمد بعض أصحابنا و غيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبى هريرة قال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من فلان، قال سليمان:
فكان يقرأ فى الصبح بطوال المفصل، و فى المغرب بقصار المفصل [١]. رواه النسائى، و صححه ابن خزيمة و غيره.
و هذا يشعر بالمواظبة على ذلك، لكن فى الاستدلال به نظر، نعم حديث رافع أنهم كانوا ينتضلون [٢] بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها. و طريق الجمع بين هذه الأحاديث: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان أحيانا يطيل القراءة فى المغرب، إما لبيان الجواز، و إما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، و ليس فى حديث جبير دليل على أن ذلك تكرر منه، و أما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، و لو كان مروان يعلم أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه- فيما يظهر- المواظبة على القراءة بالطوال، و إنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.
و فى حديث أم الفضل إشعاره بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يقرأ فى الصحة بأطول من المرسلات، لكونه كان فى حال شدة مرضه، و هو مظنة التخفيف. و هو يرد على أبى داود ادعاء نسخ التطويل فى المغرب، لأنه روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ فى المغرب بالقصار قال: و هذا يدل على نسخ حديث زيد و لم يبين وجه الدلالة. و كيف تصح دعوى النسخ و أم
[١] صحيح: أخرجه النسائى (٢/ ١٦٧) فى الافتتاح، باب: تخفيف القيام و القراءة، باب:
القراءة فى المغرب بقصار المفصل، و أحمد فى «المسند» (٢/ ٥٣٢)، و ابن حبان (١٨٣٧)، و ابن خزيمة (٥٢٠) فى «صحيحيهما» بسند صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى».
[٢] ينتضلون: أى يلعبون بالنضال، و هى السهام، و فى رواية «يتنضلون»، و رجح الزرقانى فى الشرح الرواية الأولى.