المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٤ - المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته
أجاب الفخر الرازى: بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته فى كيفية الدعوة إلى التوحيد، و هو أن يدعو إليه بطريق الرفق و السهولة و إيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة فى القرآن.
و قد قال صاحب الكشاف [١]: لفظة «ثم» فى قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [٢] تدل على تعظيم منزلة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و إجلال محله، فإن أشرف ما أوتى خليل اللّه من الكرامة و أجل ما أوتى من النعمة اتباع رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ملته، من قبل أن هذه اللفظة دلت على تباعد النعت فى المرتبة على سائر المدائح التي مدحه اللّه بها، انتهى.
و مراده بالمدائح: المذكورة فى قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [٣].
و قال ابن العراقى فى شرح تقريب الأسانيد: و ليت شعرى كيف تلك العبادة؟ و أى أنواعها هى؟ و على أى وجه فعلها؟ يحتاج ذلك لنقل. و لا أستحضره الآن. انتهى.
و قال شيخ الإسلام البلقينى فى شرح البخاري: لم تجئ فى الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده- صلى اللّه عليه و سلم-، لكن روى ابن إسحاق و غيره أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يخرج إلى حراء فى كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، و كان من تنسك قريش فى الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، و حمل بعضهم التعبد على التفكر.
[١] هو: الإمام المعتزلى الكبير، أبو القاسم، محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمى، الذي ولد بها، كان رأسا فى البلاغة و العربية و المعانى و البديع، كما كان داعيا إلى الاعتزال- سامحه اللّه-، مات ليلة عرفة سنة ٥٣٨ ه.
[٢] سورة النحل: ١٢٣.
[٣] سورة النحل: ١٢٠- ١٢٢.