المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٣ - المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته
فلزمت شريعته من جاء بعده، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى، بل الصحيح أنه لم يكن لنبى دعوة عامة إلا لنبينا- صلى اللّه عليه و سلم-. انتهى ملخصا من كلام القاضى عياض، و هو كلام حسن بديع، لكن قوله: فهذه جملة المذاهب، فيه نظر، لأنه بقى منها شيء، فقد قيل شريعة آدم أيضا، و هو محكى عن ابن برهان، و قيل جميع الشرائع. حكاه صاحب «المحصول» من المالكية.
و أما قول من قال: إنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان على شريعة إبراهيم، و ليس له شرع منفرد به، و أن المقصود من بعثته- صلى اللّه عليه و سلم- إحياء شرع إبراهيم، و عول فى إثبات مذهبه على قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [١] فهذا قول ساقط مردود، لا يصدر مثله إلا عن سخيف العقل كثيف الطبع.
و إنما المراد بهذه الآية الاتباع فى التوحيد، لأنه لما وصف إبراهيم٧ فى هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: إِنْ أَتَّبِعُ [٢] كان المراد منه ذلك. و مثله قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [٣] و قد سمى اللّه تعالى فيهم من لم يبعث و لم يكن له شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب. على قول من يقول إنه ليس برسول [٤]. و قد سمى اللّه تعالى جماعة منهم فى هذه الآية و شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد و عبادة اللّه تعالى.
فإن قيل: النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إنما نفى الشرك و ثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية، و إذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: إِنْ أَتَّبِعُ [٥] على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها.
[١] سورة النحل: ١٢٣.
[٢] سورة النحل: ١٢٣.
[٣] سورة الأنعام: ٩٠.
[٤] و ذلك على اعتبار من يفرق بين (الرسول) و (النبيّ) على أن الرسول من أوحى إليه بشيء و أمر بتبليغه، و النبيّ من جاء بإحياء شريعة رسول سبقته.
[٥] سورة النحل: ١٢٣.