المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥١ - المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته
فحكى الإمام فخر الدين الرازى عن بعض المحققين أنه قال: إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، و متى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، و إذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها و وجدانها، فلا يستوحش من فقدانها و لا يستريح بوجدانها، و عند ذلك يزول الحزن و الغم. و قال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات، كأنه يقول: تجب على عبادتك سواء أعطيتنى الخيرات أو ألقيتنى فى المكروهات.
و قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ [١]. فأمره تعالى- صلى اللّه عليه و سلم- بالعبادة و المصابرة على مشاق التكاليف فى الإنذار و الإبلاغ. فإن قلت: لم لم يقل: و اصبر على عبادته، بل قال: وَ اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ [٢].
فالجواب: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن فى قولك للمحارب: اصطبر لقرنك أى: اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه. و المعنى: أن العبادة تورد عليك شدائد و مشاق فاثبت لها قاله الفخر الرازى و كذا البيضاوى.
و قال تعالى: وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ [٣]. فأول درجات السير إلى اللّه عبودية اللّه تعالى، و آخرها التوكل عليه، و إذا كان العبد لا يزال مسافرا إلى ربه لا ينقطع سيره إليه ما دام فى قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغنى عنه البتة، و لو أتى بأعمال الثقلين جميعا، و كلما كان العبد إلى ربه أقرب كان جهاده إلى اللّه أعظم، قال تعالى: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [٤] و لهذا كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أعظم الخلق اجتهادا [٥] و قياما بوظائف العبادة، و محافظته عليها إلى أن توفاه اللّه تعالى. و تأمل أصحابه- رضى اللّه عنهم- فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب مقاما عظم جهادهم و اجتهادهم.
[١] سورة مريم: ٦٥.
[٢] سورة مريم: ٦٥.
[٣] سورة هود: ١٢٣.
[٤] سورة الحج: ٧٨.
[٥] لعل الصواب: جهادا.