المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥ - الفصل الأول فى طبه- صلى اللّه عليه و سلم- لذوى الأمراض و العاهات
برئ بإذن اللّه تعالى» [١]. فالشفاء متوقف على إصابة الدواء بالداء بإذن اللّه تعالى. و ذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد فى الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر. و فى رواية على عند الحميدى فى كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا و له دواء، فإذا كان كذلك بعث اللّه عز و جل ملكا و معه ستر فجعله بين الداء و الدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه اللّه تعالى به.
و فى حديث ابن مسعود رفعه: «إن اللّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، و جهله من جهله» [٢] رواه أبو نعيم و غيره. و فيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد. و أما قوله «لكل داء دواء» فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، و الأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها، و يكون اللّه قد جعل لها أدوية تبرئها، و لكن طوى علمها عن البشر، و لم يجعل لهم إليها سبيلا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللّه.
و لهذا علق- صلى اللّه عليه و سلم- الشفاء على مصادفة الدواء للداء، و قد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدوائه فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، و الدواء بعينه فلا ينجح، و السبب فى ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء، فرب مرضين تشابها، و يكون أحدهما مركبا، لا ينجح فيه ما ينجح فى الذي ليس مركبا، فيقع الخطأ من هناك، و قد يكون متحدا لكن يريد اللّه أن لا ينجح، و هنا تخضع رقاب الأطباء.
و فى مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، و أن ذلك لا ينافى التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع و العطش بالأكل و الشرب، و كذلك تجنب المهلكات، و الدعاء بطلب الشفاء و دفع المضار و غير ذلك. و قد سئل الحارث المحاسبى فى كتاب «القصد» من تأليفه: هل يتداوى المتوكل؟
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٤) فى السلام، باب: لكل داء دواء، و استحباب التداوى.
[٢] صحيح: حديث ابن مسعود قد تقدم، إلا أن صاحب الجامع الصغير عزاه للحاكم من حديث أبى سعيد، و قال الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٨٠٩): صحيح.