المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤٤ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
و تعقبه القرطبى بأن أول أمر دهم الإسلام موت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، ثم بعد موته موت عمر، لأن بموته- صلى اللّه عليه و سلم- انقطع الوحى و كان أول ظهور الشر ارتداد العرب و غير ذلك، و بموت عمر سل سيف الفتنة بقتل عثمان. و كان من قضاء اللّه و قدره ما كان و ما يكون.
و أما قوله: «دجالون كذابون قريب من ثلاثين» فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «يكون فى أمتى دجالون كذابون سبعة و عشرون، منهم أربع نسوة. و أنا خاتم النبيين لا نبى بعدى».
أخرجه الحافظ أبو نعيم و قال: هذا حديث غريب قال القاضى عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عدّ من تنب من زمن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى الآن من اشتهر بذلك لوجد هذا العدد، و من طالع كتب التاريخ عرف صحة هذا.
و قوله: «حتى يقبض العلم» فقد قبض و لم يبق إلا رسمه. و أما:
«الزلازل» فوقع منها شيء كثير، و قد شاهدنا بعضها. و أما قوله: «حتى يكثر فيكم المال فيفيض و حتى يهم رب المال من يقبل صدقته» فهذا مما لم يقع.
و قوله: «حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتنى مكانه» لما يرى من عظيم البلاء و رئاسة الجهلاء و خمول العلماء و غير ذلك، مما ظهر كثير منه.
و فى حديث أبى هريرة عند الشيخين أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» [١].
و قد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، و كان بدؤها زلزلة عظيمة فى ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة، و فى يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، و عظمت رجفتها، و تتابعت حطمتها، و ارتجت الأرض بمن عليها، و عجت الأصوات لباريها، و دامت الحركة إثر الحركة، حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة، و زلزلوا زلزالا شديدا، من جملة ثمانية عشر حركة فى يوم واحد دون ليلته.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٧١١٨) فى الفتن، باب: خروج النار، و مسلم (٢٩٠٢) فى الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز.