المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤٣ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
و قد أخبر- صلى اللّه عليه و سلم- أصحابه بأشياء بين موته و بين الساعة و حذر من مفاجأتها، كما يحذر من حاد عن الطاعة، و أن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة الأمارات فى العالم، فإذا جاءت الطامة الكبرى، يطيش منها الجاهل و العالم. كما روى من رفع الأمانة و القرآن، و اشتهار الخيانة و حسد الأقران و قلة الرجال، و كثرة النسوان، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، و قضى بحقيقة وقوعه الاعتبار. و قد تعين أن نلمّ بذكر طرف من الآثار الصحاح و الحسان: فروى البخاري من حديث أبى هريرة: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، و حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول اللّه، و حتى يقبض العلم، و تكثر الزلازل، و يتقارب الزمان، و تظهر الفتن، و يكثر الهرج- و هو القتل- و حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، و حتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لى فيه، و حتى يتطاول الناس فى البنيان، و حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول:
يا ليتنى مكانه، و حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت و رآها الناس أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكون آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا، و لتقومن الساعة و قد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه و لا يطويانه، و لتقومن الساعة و قد انصرف الرجل بلبن لقحته و لا يطعمه، و لتقومن الساعة و هو يليط حوضه فلا يسقى فيه، و لتقومن الساعة و قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» [١].
فهذه ثلاث عشرة علامة جمعها أبو هريرة فى حديث واحد، و لم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات و الأشراط. و قد ظهر أكثر هذه العلامات:
فأما قوله: «حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة» يريد فتنة معاوية و على بصفين. قال القاضى أبو بكر بن العربى: و هذا أول خطب طرق الإسلام.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٧١٢١) فى الفتن، باب: خروج النار.