المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٠ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
و عن حذيفة قال: قام فينا رسول اللّه قائما، فما ترك شيئا يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه، و نسيه من نسيه، قد علمه أصحابه هؤلاء، و إنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأعرفه [١] فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه [٢] ثم قال حذيفة: ما أدرى أنسى أصحابى أم تناسوه، و اللّه ما ترك رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من قائد فتنة إلى أن تنقضى الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا و قد سماه لنا باسمه و اسم أبيه و قبيلته رواه أبو داود.
و روى مسلم من حديث ابن مسعود فى الدجال: فيبعثن عشرة فوارس طليعة، قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنى لأعرف أسماءهم و أسماء آبائهم و ألوان خيولهم، و هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ» [٣]. فوضح من هذا الخبر و غيره مما يأتى من الأخبار، و سنح من خواطر الأبرار الأخيار أنه- صلى اللّه عليه و سلم- عرفهم بما يقع فى حياته و بعد موته، و ما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته. و قال أبو ذر: لقد تركنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و ما يحرك طائر جناحه فى السماء إلا ذكرنا منه علما. و لا شك أن اللّه تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، و ألقى عليه علم الأولين و الآخرين. و أما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، و إليه- صلى اللّه عليه و سلم- ينتهى مددها.
و من ذلك: ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- نعى النجاشى للناس فى اليوم الذي مات فيه، و خرج بهم إلى المصلى وصف بهم و صلى عليه و كبر أربع تكبيرات» [٤]. و فى حديث أنس عند أحمد و البخاري:
[١] ليست هذه العبارة فى سنن أبى داود.
[٢] صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٤٠) فى الفتن و الملاحم، باب: ذكر الفتن و دلائلها، و هو عند البخاري (٦٦٠٤) فى القدر، باب: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً، و مسلم (٢٨٩١) فى الفتن و أشراط الساعة، باب: إخبار النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فيما يكون إلى قيام الساعة، بلفظ قريب منه.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٢٨٩٩) فى الفتن و أشراط الساعة، باب: إقبال الروم فى كثرة القتل عند خروج الدجال.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (١٢٤٥) فى الجنائز، باب: الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، و مسلم (٩٥١) فى الجنائز، باب: فى التكبير على الجنازة.