المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٨ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [١] الآية. هذا وعد من اللّه لرسوله بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، و أئمة الناس و الولاة عليهم، و بهم تصلح البلاد، و تخضع لهم العباد، و ليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا و حكما فيهم، و قد فعل تعالى ذلك و للّه الحمد و المنة، فإنه لم يمت- صلى اللّه عليه و سلم- حتى فتح اللّه عليه مكة و خيبر و البحرين و سائر جزيرة العرب و أرض اليمن بكمالها، و أخذ الجزية من مجوس هجر، و من بعض أطراف الشام، و هاداه هرقل ملك الروم، و صاحب مصر و الإسكندرية و هو المقوقس، و ملوك عمان، و النجاشى ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة- ;-.
ثم لما مات رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و اختار اللّه له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق- رضى اللّه عنه- فلمّ شعث ما و هى عند موته- صلى اللّه عليه و سلم- و وطد جزيرة العرب و مهدها، و بعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا طرفا منها، و جيشا آخر صحبة أبى عبيدة إلى أرض الشام، و جيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاص إلى بلاد مصر، ففتح اللّه للجيش الشامى فى أيامه بصرى و دمشق و مخاليفها من بلاد حوران و ما والاها. و توفاه اللّه تعالى و اختار له ما عنده. و منّ على الإسلام و أهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق.
فقام فى الأمر بعده قياما تامّا، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله فى قوة سيره و كمال عدله، و تم فى أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، و ديار مصر إلى آخرها، و أكثر إقليم فارس، و كسر كسرى و أهانه غاية الهوان و تقهقر إلى أقصى مملكته، و قصر قيصر و انتزاع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، و أنفق أموالهما فى سبيل اللّه، كما أخبر بذلك و وعد به رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- [٢].
[١] سورة النور: ٥٥.
[٢] يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري (٣٠٢٨) فى الجهاد و السير، باب:
الحرب خدعة، و مسلم (٢٩١٨) فى الفتن و أشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه- بلفظ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الذي نفس محمد بيده، لتنفقن كنوزهما فى سبيل اللّه» صدقت يا رسول اللّه.