المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢ - الفصل الأول فى طبه- صلى اللّه عليه و سلم- لذوى الأمراض و العاهات
فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط و مواد المرض، و هو لا يستفرغها و لا يحتمى لها، كيف تكون صحته و بقاؤه، و قد أحسن القائل:
جسمك بالحمية حصنته * * * مخافة من ألم طارى
و كان أولى بك أن تحتمى * * * من المعاصى خشية النار
فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، و استعمل الحمية باجتناب النواهى، و استفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبا، و لا للشر مهربا، و فى حديث أنس: «أ لا أدلكم على دائكم و دوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، و دواءكم الاستغفار» [١]. فقد ظهر لك أن طب القلوب و معالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- بواسطة الوحى.
و أما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان:
نوع لا يحتاج إلى فكر و نظر، بل فطر اللّه على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع و العطش و البرد و التعب، و هذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب.
و نوع يحتاج إلى الفكر و النظر، كدفع ما يحدث فى البدن مما يخرجه عن الاعتدال، و هو إما حرارة أو برودة، و كل منهما: إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، و غالب ما يقاوم الواحد منها بضده، و الدفع قد يقع من خارج البدن، و قد يقع داخله و هو من أعسرهما، و الطريق إلى معرفته بتحقيق السبب و العلامة. فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى فى تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، و فى تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، و مدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة. و الاحتماء عن المؤذى و استفراغ المادة الفاسدة. و قد أشير إلى الثلاثة فى القرآن:
فالأول: فى قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
[١] ضعيف: أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس عن أنس، كما فى «كنز العمال» (٢٠٩٢).