موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٤ - ١ القيام بالقسط والعدل
مناشيء هذا الحقّ «من قبيل الإرث الذي يعود إلى سعي وعمل الأب».
ويؤكد القرآن الكريم في آيات عدّة على هذه الحقيقة الجلية، ومنها:
أ) ما ورد في الآية الشريفة ٣٢ من سورة النساء من أنّ العمل يعتبر منشأ الحقّ للإنسان في إمتلاك المال والثروة:
«لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ».
ب) ورد النهي في الآيات الكريمة بشكل صريح وأكيد:
«كَيْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» [١]
عن تداول الثروة فقط في دائرة الأثرياء وحصرها عند الأغنياء، لأنّ حصر رؤوس الأموال بيد الأغنياء لا يخلو غالباً من الظلم وسحق الحقوق بالنسبة للفقراء والمحرومين.
ج) إنّ القرآن الكريم يقرر بطلان الأرباح غير السليمة وغير العقلانية تحت عنوان: «حرمة أكل المال بالباطل» ويقول:
«وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ» [٢]
، لأنّ بطلان الكثير من هذه العوائد ناشيء من كونها ظالمة، وعلى هذا الأساس فإنّ العلماء والرهبان الذين يستلمون الهدايا أو المبالغ الطائلة من الناس من خلال كتمانهم للحقائق والذي يعتبر المصداق الأتم للظلم أو يصدرون الفتاوى الظالمة لحساب قوى الجور والهيمنة، وكذلك ببيعهم لصكوك الغفران، فإنّهم وقعوا مورد الذم والتوبيخ في الآيات القرآنية:
«إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ» [٣].
د) وقد نهى القرآن الكريم بصراحة عن الاقتراب من أموال اليتامى والمحرومين من ولاية الأب ورعايته، ويقول:
«وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ» [٤]
وكذلك:
«إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى
ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً» [٥]
، لأنّه كما قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:
«وحرّم اللَّه أكل مال اليتيم ظلماً لعلل كثيرة من وجوه الفساد، أوّل ذلك أنّه إذا أكل الإنسان مال اليتيم ظلماً فقد أعان على قتله إذ اليتيم غير مستغن ولامحتمل لنفسه ولا قائم بشأنه ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه فإذا أكل ماله فكأنّه قتله وصيّره إلى الفقر والفاقة» [٦].
ومن هذا القبيل ما دعت إليه الآية الشريفة بكلّ وضوح للقيام بالقسط في أموال اليتامى:
«وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ» [٧]
وكذلك تقول الآية الشريفة:
«وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً» [٨].
ه) وقد ورد في الآيات الشريفة النهي عن «الفساد في الأرض» وخاصّة بالنسبة للأثرياء كقارون الذين ورد الخطاب لهم:
«وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
[١]. سورة الحشر، الآية ٧.
[٢]. سورة النساء، الآية ٢٩.
[٣]. سورة التوبة، الآية ٣٤.
[٤]. سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
[٥]. سورة النساء، الآية ١٠.
[٦]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ١٨١، ح ٥، باب ٧٠، باب تحريم أكل مال اليتيم ظلماً.
[٧]. سورة النساء، الآية ١٢٧.
[٨]. سورة النساء، الآية ٢.