موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٤ - ١ توفير الأرضيّة لتشغيل رأس المال
فتح الطريق لتحريك الثروة في شرايين المجتمع وبهذه الطريقة وفّر الظروف اللازمة لاستفادة الناس من هذه الموهبة الإلهيّة.
يقول العلّامة الطباطبائي ضمن كلام طويل له في مجال الحكمة من ظهور النقدين وفي مقال له بعنوان «الكنز»:
«ومن هنا يظهر أنّ كنزهما إبطال لقِيَم الأشياء وإماتة لما في وسع المكنوز منهما من إحياء المعاملات الدائرة، وقيام السوق في المجتمع على ساقه، وببطلان المعاملات وتعطّل الأسواق وتبطل حياة المجتمع وبنسبة مالها من الركود والوقوف تقف وتضعف» [١].
ثم يضيف:
«إنّما أعني به كنزهما وجعلهما في معزل عن الجريان في المعاملات السوقيّة والدوران لإصلاح أي شأن من شؤون الحياة، ورفع الحوائج العاكفة على المجتمع، كإشباع جائع وإرواء عطشان وكسوة عريان وربح كاسب وانتفاع عامل ونماء مال وعلاج مريض وفك أسير وإنجاء غريم والكشف عن مكروب والتفريج عن مهموم وإجابة مضطر والدفع عن بيضة المجتمع الصالح وإصلاح ما فسد من الجو الاجتماعي» [٢].
ومن هذه الجهة فإن الإسلام يرى أنّ المال مجرّد أمانة إلهيّة بيد الإنسان ليصرفها في مسارها الطبيعي كما تقدّم في كلام الإمام الصادق عليه السلام:
«المال مال اللَّه جعله ودائع عند خلقه» [٣].
وهو أمانة ينبغي استخدامها في مجال الإنتاج والتوزيع لضمان سلامة البشر وعزّتهم وراحتهم، كما تقدّم ذكره من كلمات الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّما أعطاكم اللَّه هذه الفضول من الأموال لتوجّهوها حيث وجّهها اللَّه ولم يعطكموها لتكنزوها» [٤].
ولعل فلسفة تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الإسلام يعود إلى هذه النقطة، وهي أنّ هذا العمل يؤدّي إلى تجميد المال وإخراجه من دائرة الإنتاج والاستهلاك الطبيعي ويجعله يتحرك في غير مسيره العادي وإن كانت مخالفة الإسلام للحياة التجمليّة تملك غايات أخرى غير هذا الحكم الشرعي.
وإذا كانت البشريّة في الماضي لم تدرك أهميّة هذا الحكم الإسلامي «تحريم الإكتناز» فإننا اليوم نستطيع فهم عمق هذه المسألة الحيويّة بصورة واضحة، لأنّ الاضطرابات الماليّة في العالم المعاصر ومن خلال تجميد الأموال من قِبل قوى الثروة والاستكبار، أدّى إلى تورط البشريّة بالكثير من الاضطرابات والحروب وسفك الدماء [٥].
ونرى من اللازم إلفات النظر إلى هذه النقطة المهمّة، وهي أنّ تجميع الأموال في عصرنا الحاضر بصورة كنز، قلّما يحدث الآن كما كان في السابق، وغالباً يتمّ إدّخار المال في البنوك على شكل نقد ونعلم أنّ المبالغ الماليّة التي تودع في البنوك
[١]. الميزان، ج ٩، ص ٢٦٢.
[٢]. المصدر السابق.
[٣]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٥٢، ح ١٤٧٢٠.
[٤]. الكافي، ج ٤، ص ٣٢، ح ٥.
[٥]. انظر: التفسير الأمثل، ج ٧، ص ٣٩٣.