موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤١ - البحث الثاني الإكتناز (خروج الثروة من عجلة الإنتاج)
الخارجة عن دائرة الإنتاج والاستهلاك، وبالتالي تكون راكدة.
أمّا في اللغة وطبقاً لما ورد في صحاح اللغة:
«الكنز: المال المدفون» وكذلك ورد في قاموس اللغة للفيروزآبادي أنّه قال: «هو المال المدفون»، ودفن المال تحت الأرض ربّما يكون له غايات مختلفة، وهذه المفردة تارة تأتي بمعنى واسع وتشمل كلّ حركة للمال مقترنة مع ركود المال وخروجه من دائرة الإنتاج، كما ورد في الآية الشريفة:
«الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...»
، وسيأتي مزيد تفصيل الكلام في هذا المعنى [١].
إنّ تجميد الأموال وجعلها راكدة مضافاً إلى أنّه يعتبر من مصاديق «إكتناز المال» وحاله حال الاستئثار بالأموال فيما يعدّ نوعاً من العمل المخالف للقيم، فإنّه يستتبع تضييع الحقوق العامّة في المجتمع، لأنّ المال في نظر الدين وسيلة لتدبير وترتيب أمور الحياة والمعيشة، كما ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام حول الدرهم والدينار قال:
«بها يَستقيم شُؤُونهم ومطالبهم» [٢].
وبهذه الرؤية، إذا كانت الأموال حالها حال جريان الدم في البدن وكانت تجري في جميع شرايينالمجتمع ولا تنحصر بفئة خاصّة أو تكتنز وتجمع في خزائن وصناديق بشكل «كنز» و «دفينة» فإنّها تنحرف عن مسارها الطبيعي والإلهي، وتستخدم في اتّجاه مخالف لغاياتها الوجوديّة، وبديهي أنّ هذا العمل ليس فقط غير نافع، فإنّه يعتبر مرضاً اقتصادياً ويؤدّي إلى خروج الأموال بهذه الطريقة من يد المحتاجين وبالتالي يهدد المنافع الكليّة للمجتمع للخطر، كما أن الدم لو اجتمع في مكان معين من بدن فيمكن أن يتبدل إلى جلطة ويتوقف القلب أو الدماغ عن الحياة والحركة.
وبعبارة أوضح فإنّ المال والثروة في نظر الإسلام وسيلة وأداة للحياة والمعيشة ولها جهة طريقية ولا ينبغي أن يكون بحدّ ذاته «هدفاً» ويملك موضوعيّة في واقع الحال.
ويشير الإمام الصادق عليه السلام في كلام له إلى هذه النقطة بوضوح ويقول:
«إنّما أعطاكم اللَّه هذه الفضول من الأموال لتُوجّهوها حيث وجَّهها اللَّه ولم يُعطِكموها لتَكنزوها» [٣].
والتعبير ب «حيث وجّهها اللَّه» في الحديث المذكور تأكيد على ما سبقت الإشارة إليه، وهي أنّ الأموال ليست هدفاً بحدّ ذاتها بل أداة ووسيلة للحياة، ومن هذه الجهة فإنّ القرآن الكريم ينهى بشدّة عن هذا العمل ويهدد القائمين عليه بالعذاب الشديد:
«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
[١]. انظر: روح المعاني (ج ١٠، ص ٨٧)؛ يقول صاحب تفسير البحر المحيط (ج ٥، ص ٣٤) ذيل آية الكنز: «أصل الكنز اللغة بالضمّ والجمع ... ثمّ غلب استعماله في العرف على المدفون من الذهب والفضّة»؛ ونقرأ في مفردات الراغب تحت عنوان مادة «كنز»: «الكنز: جعل المال بعضه على بعض وحفظه».
[٢]. بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٣٨.
[٣]. الكافي، ج ٤، ص ٣٢.