موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٤ - ٣ الإسراف في منطق العقل وسيرة العقلاء
والإسراف مذموم في دائرة الثقافة الإسلاميّة إلى درجة أنّه ورد التعبير عنه في الروايات أنّه من عمل الشيطان ومن ذلك ما ورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام في تحذيره لأحد أصحابه من الإسراف قال:
«وعليك بالاقتصاد وإيّاك والإسراف فإنّه من فعل الشيطنة» [١].
كذلك ورد على لسان أهل البيت عليهم السلام، أنّ الإسراف من الذنوب الكبيرة كما نقرأ ضمن حديث عن الذنوب الكبيرة قول الإمام عليه السلام:
«... والإسراف والتبذير ...» [٢].
وجدير بالذكر أنّ الإسراف يعدّ واحداً من أربع أمور تتسبب في انحطاط الفرد والمجتمع، ففي كلام للإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام قال:
«يستدلّ على الإدبار بأربع: سوء التدبير وقبح التبذير وقلّة الاعتبار وكثرة الاعتذار» [٣]
، ممّا يدلّ على كثرة الخطأ الصادر من الشخص.
وكذلك قال الإمام عليه السلام:
«عليك بترك التبذير والإسراف والتخلّق بالعدل والإنصاف» [٤].
وقال عليه السلام أيضاً:
«من العقل مجانبة التبذير وحسن التدبير» [٥].
٣. الإسراف في منطق العقل وسيرة العقلاء
يعتبر الإسراف في منطق العقل عملًا غير مقبول أبداً، وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ عاقل يرى في المسرف شخصاً خاطئاً ويذم عمله، لأنّ الإسراف هو الخروج عن حالة الاعتدال، ولا شك أنّ حالة الاعتدال مقبولة ومحمودة لدى العقل والعقلاء، وضدها (أي الإسراف) مورد ذم العقل وتقبيحه.
ويمكن القول أيضاً أنّ الإسراف أحد مصاديق الظلم، وكلّ ظلم مخالف للعقل، لأنّ المنابع الطبيعيّة في العالم محدودة والإسراف يتسبب في حرمان الآخرين منها.
بل إنّ الإنسان المسرف الذي يرضي وجدانه بمسائل أخرى من قبيل حالات «التفوّق» وأمثالها، لا يرى في إسرافه عملًا مخالفاً لموازين العقل والشرع، لأنّ كلّ شخص لا يرضى بتضييع أمواله وثروته.
وكذلك لا شك في أنّ عمل الإسراف لا يرضي العقلاء من الناس، بل ينتقدون المسرف دوماً ويعترضون على عمله، ولذلك نرى أنّ بعض العلماء أمثال العلّامة النراقي رحمه الله يتمسك باجماع العقلاء على تحريم الإسراف [٦]، وعلى هذا الأساس فإنّ حرمة الإسراف في الشريعة الإسلاميّة في الحقيقة تأييد وإمضاء لحكم العقل وسيرة العقلاء، ويمكن القول إنّ الإسراف حرام وممنوع بالأدلة الأربعة، ومن هذه الجهة فإنّ الكثير من علماء الفريقين تحدّثوا عن حرمته في كلماتهم وكتبهم وهذا يحكي عن إجماع واتفاق الفقهاء على هذه المسألة يقول ابن ادريس
[١]. بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٢٩٢، ح ٦٦، باب ٣.
[٢]. عيون الأخبار، ج ٢، ص ١٢٧.
[٣]. غرر الحكم، ح ٨٠٩٦.
[٤]. المصدر السابق، ح ٨١٣٨.
[٥]. المصدر السابق، ح ٨١٤٢.
[٦]. انظر: عوائد الأيّام، ص ٦١٦ فصاعداً.