موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٨ - أ) التوزيع الإبتدائي
التشنجات الاجتماعيّة الشديدة وما يستتبعها من سقوط الأقوام والمجتمعات، وهذه الحقيقة تكون خطيرة جدّاً فيما لو لم يتمّ تأمين حاجات الطبقة الضعيفة من المجتمع، لأنّها تتسبب في ظهور الاضطرابات الاجتماعيّة بواسطة الطبقة الضعيفة ضد الطبقة المستكبرة والمهيمنة، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى إنهيار ركائزهم السياسيّة وقواهم الاجتماعيّة ويحلّ قوم آخرون محلّهم.
والقرآن الكريم بعد بيان حكم الغنائم الحربيّة في واقعة بني النضير يتحدّث عن البساتين الزراعيّة والدور والأموال التي وقعت بيد المسلمين ويتحدّث عن الحكمة من توزيع الغنائم بين المسلمين ويقول:
«كَىْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ» [١].
وفي الحقيقة أنّ هذا هو الهدف النهائي للاقتصاد الإسلامي، أي أنّ الثروات، سواءً كانت ثروات قبل الإنتاج أو ما بعده، لا ينبغي أن تبقى بيد الأثرياء من الناس، بل يجب تقسيمها بشكل عادل بين الجميع وكلّ فرد منهم يحصل على سهمه وحصته، لأنّ تمركز الثروة وتراكمها بيد طبقة خاصّة يؤدّي إلى إرباك كبير وخلل اجتماعي من شأنه أن يصيب الأمن الاجتماعي بالضرر والخلل.
٣. أنواع التوزيع
أ) التوزيع الإبتدائي
رأينا فيما سبق أنّ الطبيعة تتضمّن الثروات الكثيرة مثل: الأراضي الموات، أنواع المعادن كالنفط والذهب والألماس، المياه، الغابات، الحيوانات، والطيور و ...، والتي لا تعتبر نتيجة سعي الإنسان وحركته في دائرة الإنتاج الاقتصادي بشكل مباشر، فتعتبر كيفيّة الاستفادة منها وتوزيعها من أهم البحوث في علم الاقتصاد وتقدّم الكلام في هذا الموضوع سابقاً تحت عنوان «تقسيم المنابع» وهنا نكتفي بالإشارة إلى نقطة واحدة:
في النظام الرأسمالي الذي لا يوجد فيه حد مخصوص للملكيّة الخاصّة، فإنّ كلّ شخص يستطيع تحصيل ثروات كبيرة في إطار المنافسة الحرة، وغني عن البيان أنّ الرابح في هذا الميدان هم الطبقة الخاصّة من الشركات الاستثماريّة الكبرى وأصحاب الرساميل الكبيرة، ولا يبقى مجال أساساً لجمهور الناس في المنافسة الحرة في هذا الميدان، فالثروات الطبيعيّة في هذا النظام تقع عملًا بيد فئة خاصّة ويحرم جمهور الناس منها [٢].
ولكن الإسلام برؤيته الاقتصاديّة وقوانينه وضوابطه الخاصّة منع من ظهور هذه الظاهرة السلبيّة في فضاء المجتمع وحال دون تمركز الثروات الطبيعيّة بين الأغنياء والمتمولين من المجتمع [٣].
ولغرض تحقيق هذا الهدف فقد قسّم الإسلام الثروات الطبيعيّة إلى قسمين:
١. الأنفال: وهي الثروات التي تقع في دائرة ملكيّة
[١]. سورة الحشر، الآية ٧.
[٢]. وللمزيد من الاطلاع انظر: مباني الاقتصاد الإسلامي (مبانى اقتصاد اسلامى) بالفارسيّة، ص ٢٦٥- ٢٦٨.
[٣]. لمزيد من الاطلاع انظر: مقدمة على الاقتصاد الإسلامي (درآمدى بر اقتصاد اسلامى) بالفارسيّة، ص ٣٢٩-/ ٣٣٣.