موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٤ - ب) الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي (الإكتفاء الذاتي)
أنّ الشركات الكبيرة ومن خلال إيجاد حاجات كاذبة وموهومة في نفوس الناس، هي التي ترسم مسار الطلب لدى المستهلك، ومن هذا الطريق تحصل هذه الشركات وأصحاب الرساميل الكبيرة على أرباح عظيمة، فهؤلاء ومن خلال استخدام خدع وحيل خاصة يخلقون حاجات موهومة في غالبية البلدان وجماهير الناس بالنسبة لأسلحة الدمار الشامل، المخدرات، آلات اللهو واللعب، المشروبات الكحوليّة وحتى تجارة البشر والرقيق الأبيض، ثمّ يتحركون على مستوى إنتاج المنتوجات لهذه الحاجات الموهومة، ولكنّهم في مقابل ذلك لا يلتزمون بأي شيء في مقابل الحاجات الواقعيّة للبشر.
أمّا في الإسلام وثمّة اهتمام بالغ بالحاجات الواقعيّة والحيوية للناس وتأمين الحاجات الضروريّة للمجتمع، من قبيل: الطعام، الملبس، والمسكن التي لها أولويّة في مجال الإنتاج، وفي هذا المذهب الاقتصادي يتمّ التحرك أولًا على مستوى إنتاج البضائع والصناعات التي يحتاج إليه عامّة أفراد المجتمع، وما لم يصل الإنتاج في هذه الأمور إلى حد الإشباع والإكتفاء، فإنّ إنتاج سائر المصنوعات والمنتجات الأخرى لا يعدّ أمر مقبولًا.
ب) الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي (الإكتفاء الذاتي)
إنّ «التبعيّة الاقتصاديّة» عامل على إيجاد أسوء أنواع سيطرة الأجانب، لأنّ التبعيّة الاقتصاديّة تستدعي التبعيّة السياسيّة والثفافيّة على المجتمع أيضاً، واليوم نرى أنّ الخلاص من الهيمنة الاقتصاديّة للبلدان الاستكباريّة في العالم لا يتيسّر إلّامن خلال الاستثمار الجاد في عمليّة إنتاج المحاصيل الزراعيّة والمنتوجات الصناعيّة، فالمجتمع الإسلامي إنّمايستطيع الوصول إلى العزّة والكرامة فيما إذا تمكن قبل أي شيء آخر الوصول إلى مرتبة الإكتفاء الذاتي في قسم الإنتاج، وعلى الأقلّ بالنسبة إلى إنتاج المواد الغذائيّة والاستراتيجيّة.
وفي نظر الإسلام فإنّ الحاجة إلى الآخرين والتبعيّة لهم تستلزم الوقوع في أسرهم، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«احتجْ إلى من شئت، تكن أسيره واستغن عمّن شئت تكن نظيره» [١].
وفي العالم المعاصر فإنّ قوى الهيمنة والسلطة تستخدم حربة الحاجة والتبعيّة الاقتصاديّة لهم لفرض الاستسلام لها من قِبل بلدان العالم الثالث، وإخضاعهم لمطامعهم غير المشروعة، ومن هذا الطريق يتحركون للغضط على هذه البلدان لفرض ما يريدونه في المجالات السياسيّة والثقافيّة أيضاً وتكون هذه البلدان تابعة لهم في المجال السياسي والثقافي.
واللافت أنّ أحد المسؤولين في أمور الزراعة في أمريكا يقول في هذا الصدد:
«أعتقد أنّ سلاح الغذاء اليوم يعتبر أقوى سلاح لدينا لمواجهة البلدان الأخرى وسيبقى لمدّة عشرين سنة قادمة، فمادامت البلدان الأخرى تحتاج في مجال الغذاء لأمريكا فإنّها ستمتنع عن إيجاد المشكلات لنا» [٢].
وعلى هذا الأساس يتبيّن أهميّة رؤية الإسلام في مجال إنتاج المحاصيل الزراعيّة، ويعتبر الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّ إنتاج المحاصيل الزراعيّة يمثّل الركن الأساس للنشاط الاقتصادي في المجتمع بحيث إنّ سائر الأقسام الأخرى تعتمد عليه بشكل كبير فلو واجه الإنتاج الزراعي ضعفاً وخلالًا، فإنّ ذلك من شأنه إيجاد الخلل والإرباك في الأقسام الأخرى، وأنّ الإزدهار الاقتصادي يتسبب في إزدهار ونمو الأقسام الأخرى، يقول الإمام عليه السلام مخاطباً مالك الأشتر:
«وتفقّد أمر الخراج بما يُصلِحُ أهله، فإنّ في صلاحه وصلاحهم، صلاحاً لمن سواهم ولاصلاح لمن سواهم إلّابهم لأنّ الناس كلّهم عيالٌ على الخراج وأهله» [٣].
وتأسيساً على ذلك فإنّ الشأن الزراعي والرعي في نظر الدين يعتبر في صدر أولويات اهتمام الحكومة الإسلاميّة لأنّ يؤمّن أهم حاجات الناس في مجال الغذاء، وقد ورد التأكيد على هذين الأمرين في الروايات الشريفة.
ونقرأ في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٧، ص ٤٢٠.
[٢]. أزمة الطعام، (بحران غذا) بالفارسيّة، ص ٤٣ (السيد حسن الأسعدي، نقلًا عن مجلة اينترناشنال هرالدتريبيون، ٢٦ دسامبر ١٩٨٠ م).
[٣]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.