موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - ٢ مبنى تقسيم الثروات الطبيعيّة
فإنّ الإنسان في مقام التوزيع أعلى شأناً من «أدوات الإنتاج» [١]، وعلى ضوء ذلك فصاحب المال في النظام الرأسمالي يستطيع استخدام العمّال لغرض إحياء واستخراج المعادن مع دفع الاجرة لهم، وبالتالي تكون جميع الثروة الحاصلة ملك له، وأمّا في الإسلام فإنّ العامل الذي تحرك في عمله على مستوى استخراج المعادن فإنّه سيكون مالكاً لها وليس لأدوات الإنتاج سهم في تملّك المنابع الطبيعيّة.
وللتوضيح أكثر نستعرض بعض الموارد من الأحكام الإسلاميّة في هذا المجال:
١. إذا غصب شخص أداة معينة واصطاد بها حيواناً، فإنّه سيكون مالكاً لهذا الصيد رغم أنّه يجب عليه دفع اجرة الأداة لصاحبها، لأنّ الصيد يعتبر من المباحات العامّة، وملكيته تحصل عن طريق العمل بشكل مباشر [٢].
٢. إذا دفع شخص أدوات صيده إلى صياد واتفق معه أن يكون مالكاً لقسم من الصيد، فحقّه الوحيد على الصياد أخذ الاجرة فقط وليس له حقّ آخر في تملّك الصيد [٣].
٣. إذا اصطاد شخص حيواناً وكان في نيّته أن يشترك معه شخص آخر في هذا الصيد، فإنّ نيّته هذه لا تؤثر شيئاً، فيكون جميع ما اصطاده بهذه الطريقة ملك له [٤].
٤. إذا اشتركت جماعة في إحداث عين، فجميع العاملين في هذا المورد يملكون العين بنسبة عملهم [٥] لا بنسبة ما دفعه من مال لإحياء وإحداث هذه العين.
٥. إذا دفع شخص أدوات ووسائل لشخص آخر لإحياء أرض، على أن يكون له سهم في ملكيتها فإنّ هذا العقد باطل [٦]، فليس لصاحب الأدوات سوى حقّ اجرة المثل.
يتبيّن من هذه الأحكام وأمثالها أنّ الإسلام يجعل الملاك في ملكيّة الثروات الطبيعيّة هو «العمل»، والعامل هو الذي يستطيع تملّك الأرض والمنتوج من خلال عمله المباشر، ومن هذه الجهة ذهب بعض الفقهاء كالمحقّق الحلّي في كتاب الشرائع، إلى أنّ الوكالة في تهيئة الخشب والحطب من الغابة مشكل [٧]، وعلى هذا الأساس فإنّ المباشرة تعتبر شرطاً للملكيّة، ولا تتحقق الملكيّة بالوكالة.
مع التدقيق في هذه الأمور يتبيّن امتياز الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي، لأنّ الأساس في الملكيّة في النظام الرأسمالي، رأس المال وأدوات الإنتاج، والعامل في هذه الرؤية يقع في عرض أدوات الإنتاج، ولكن الملاك والمعيار في ملكيّة الثروات الطبيعيّة في النظام الاقتصادي الإسلامي هو عمل العامل، ولا سهم لأدوات الإنتاج ورأس المال في تحقق الملكيّة.
ومن جهة أخرى، بما أنّ بعض الأشخاص كالمرضى والمسنين والأطفال و ... لا يستطيعون بصورة طبيعيّة التملّك الشخصي من خلال العمل وبالتالي لا يحصلون على ما يحتاجونه من هذا الطريق فإنّ الإسلام وضع حقوقاً ماليّة لهم في أموال الأغنياء ولذلك يؤكد القرآن الكريم على هذه النقطة ويقول:
«وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» [٨].
وفي مرحلة لاحقة نرى أنّ الحكومة الإسلاميّة مكلّفة أيضاً بضمان وتأمين حاجات هذه الفئة والشريحة من الناس ويجب عليها السعي لإزالة غبار الحرمان عن وجوه هذه الطبقة.
ومن هذا المنطلق يتبيّن كيفية تخصيص المنابع الطبيعيّة في المجتمع الإسلامي من عنصرين مهمين وأساسيين وهما: «العمل والحاجة»، وفي هذه الرؤية فالأشخاص الذين لا يستطيعون لأسباب معقولة من المشاركة في النشاطات الاقتصاديّة وأن يكون لهم سهم من المنتجات الحاصلة من العمل، فإنّ الأغنياء والحكومة الإسلاميّة يجب عليهم تأمين حاجاتهم بما
[١]. انظر: المصدر السابق، ص ٥٥٥- ٥٥٧.
[٢]. انظر: جواهر الكلام، كتاب الصيد، ج ٣٦، ص ٦٦ و الشرائع، ج ٤، ص ٧٣٨، كتاب الصيد والذباحة.
[٣]. بحر الرائق، ج ٥، ص ٣٠٦؛ جامع المقاصد، ج ٨، ص ٦٧.
[٤]. قواعد الأحكام، ج ٢، ص ٣٣٠ وانظر: جامع المقاصد، ج ٨، ص ٤٩.
[٥]. تحريرالوسيلة، ج ٢، ص ٢١٧، م ٢٦.
[٦]. تذكرة الفقهاء، ج ٢، ص ٢٣٣، كتاب الشركة.
[٧]. انظر: شرائع الإسلام، كتاب الوكالة، ج ٢، ص ٤٣٢.
[٨]. سورة الذاريات، الآية ١٩.