موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٢ - ٢ مبنى تقسيم الثروات الطبيعيّة
ستكون بهذه الرؤية مهمشة ويتمّ إقصاؤهم عملًا عن ميدان المنافسة، وبالتالي ستقع المنابع الطبيعيّة العظيمة بيد طبقة الأثرياء والرأسماليين الكبار ويتضرر عامّة الناس بحيث لا يبقى مجال للحديث عن الإنتاج والاستفادة من هذه المنابع الطبيعيّة إلّاعلى مستوى الكلام والشعار فقط [١].
أمّا النظام الاشتراكي فإنّه يقرر منع تراكم الثروات وأدوات الإنتاج بيد طبقة خاصّة وجعل جميع المنابع الطبيعيّة وأدوات الإنتاج بيد المجتمع وبالتالي فإنّ الدولة هي التي تملك هذه الموارد والأدوات، ويرفض هذا النظام كلّ نوع من الملكيّة الخاصّة للمنابع الطبيعيّة، ويتمّ تعيين أرباح الأفراد على أساس عنصر «العمل» فقط، بمعنى أنّ كلّ شخص يملك عمله فقط لا أنّه يملك المواد الخام بعيداً عن العمل، وهذا النظام الذي يقيد الحريّة الاقتصاديّة إلى درجات ضيقة جدّاً، يقف في مقابل الميول الفطريّة والطبيعيّة للإنسان، ولذلك نلاحظ أنّ بلدان المعسكر الاشتراكي إنهارت وتلاشت بتلك السرعة التي ظهرت فيها في الشرق.
ولكن خلافاً لهذين النظامين الاقتصاديين «الرأسمالي والشيوعي» التي لم تتمكن من بيان مقدار ودور عنصر «العمل» و «الحاجة» في تملك الثروات الطبيعيّة، وكلّ واحد منهما غفل عن أحد هذين العنصرين وتجاهله، فإنّ الإسلام يقرر الأصالة لكلّ واحد من هذين العنصرين [٢]، بمعنى أنّه مع اعترافه وقبوله للملكيّة الخصوصيّة في دائرة المباحات العامّة وبشروط خاصّة، فإنّه سمح لكلّ فرد أن يتملك نتيجة عمله وسعيه وإبداعه [٣].
والقرآن الكريم يؤكد على هذه النقطة ويقول:
«لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ» [٤].
[١]. وجدير بالذكر أنّ البحوث النظريّة في شأن «تدخل ودور الدولة في الاقتصاد» وتختلف كثيراً عمّا يحصل عملًا في عصرنا الحاضر.
من الناحية النظريّة ثمة ثلاث نظم اقتصاديّة سائدة في العالم المعاصر: النظام النئوكلاسيكي، دولة الرفاه، النظام الاشتراكي.
في النظام النئوكلاسيكي، فإن تدخل الدولة مخالف أساس للقاعدة والنظم الطبيعي للاقتصاد، ولكن يجوز لها التدخل فقط في صورة ظهور أزمة وإرباك في اقتصاد السوق.
أمّا في دولة الرفاه (ويطلق على دولة كينز نسبة الاقتصاد المعروف جون مينارد كينز) فإنّ ترك الاقتصاد بيد الأفراد لا يمكنه لوحده ضمان منافع المجتمع، ولذا كان من الضروري تدخل الدولة في أمر السوق والاقتصاد.
والنظام الاشتراكي، وخلافاً للنظامين السابقين، عمل على إقصاء مصلحة الفرد لحساب مصلحة المجتمع على أساس تدخل الدولة، وكما أسلفنا فإنّ هذه النظم لم تلتزم بما قررته في نظريتها، وحتى ا لنظام الاشتراكي الذي يرى لزوم إلغاء القطاع الخاص فإنّه في آخر عمره لم يصر على تطبيقه، أو النظام النئوكلاسيكي الذي لا يقبل بتدخل الدولة فإنّه حالياً أذعن لتدخل الدولة في الاقتصاد.
حالياً يملك «النظام المختلط» أكثر النظم جاذبية في نظر علماء الاقتصاد والسياسية، وفي ظلّ هذا النظام فإنّ الدولة والسوق لهما دور مؤثر في حركة الاقتصاد، وغالبية الدول الرأسماليّة والاشتراكيّة في هذا العصر تتجه نحو هذا النوع من الاقتصاد (لمزيد من الاطلاع انطر: مباني وأصول الاقتصاد (مبانى و اصول اقتصاد) بالفارسيّة، ص ١٨٧- ٢٠٣).
[٢]. انظر: مباني الاقتصاد الإسلامي (مبانى اقتصاد اسلامى) بالفارسيّة، ص ٢٦٥- ٢٦٨.
[٣]. إنّ طرق تحقق الملكيّة الخاصّة في الإسلام من البحوث المهمّة الاقتصاديّة والتي تملك أصول ومباني وشروط خاصّة منها يمكن الإشارة إلى مسألة إحياء الأراضي، والحيازة، والتحجير، والأسباب القهرية من قبيل (الإرث) والأسباب الاعتباريّة من قبيل (العقود).
[٤]. سورة النساء، الآية ٣٢.