موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - النتيجة
إلى مطلوبيّة ومحبوبيّة هذه الأمور في الرؤية الدينيّة.
ومضافاً إلى هذه التعبيرات الإيجابيّة، فقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن المال والثروة بكلمات من قبيل: الرحمة [١]، الحسنة [٢] و
«الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» [٣]
، وهذا يشير إلى أنّ رؤية الإسلام للأمور الماليّة والاقتصاديّة، لا تقوم أساساً على مبنى الفكر المادي، بل على أساس المباني الإلهيّة والأهداف المقدّسة والمتعاليّة.
ومضافاً إلى ذلك فقد ورد في الآيات القرآنية أيضاً أنّ التعبير عن الحرمان المالي والمادي بوصفه عقوبة وعذاب الإلهي، مثل:
«وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ» [٤]
وكذلك:
«فَبِظُلْمٍ مِّنَ
الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» [٥].
وهذه العبارات تشير إلى أنّ الاقتصاد في الإسلام، وخلافاً للتفاسير غير الواعية والاستنباطات غير الصحيحة لبعض الأفراد الذين أخطأوا في عمليّة التفسير من دون توفر الصلاحيات العلميّة لديهم في الأحكام الإسلاميّة وذهبو إلى أنّ الأمور الماليّة حقيرة وتافهة في نظر الإسلام، والحالة أنّها تحظى بأهميّة فائقة في دائرة المفاهيم الدينيّة، بحيث إنّ قوام الوضع السياسي والاقتصادي للمجتمع الإسلامي يتقوم بالمال والاقتصاد السليم في الرؤية الدينيّة وتدور سلامة المجتمع وإزدهاره في ظلّ ثبات وتقوية البنية الاقتصاديّة وكأنّ الحياة الدنيا تعتبر مقدمة وممهدة للحياة الاخروية.
هذه الرؤية تعتبر الدنيا موقع ومحلّ تربية النفوس وتنمية القابليات والوصول إلى الكمال والسعادة، كما ورد في الرواية:
«الدنيا مزرعة الآخرة» [٦]
، و
«الدنيا
مَتْجَر أولياءاللَّه» [٧].
وطبعاً إذا كانت الحياة الدنيويّة والماديّة تملك أصالة في حدّ ذاتها، بحيث إنّ الإنسان يحصر اهتمامه بملذاتها العابرة ويقع أسير المطامع والشهوات النفسانيّة ويغفل عن كونها مقدمة للحياة الاخرويّة، أي تكون الحياة في الدنيا هدفاً نهائياً، فمن البديهي أنّ مثل هذه الحياة تستحق أن يعبّر عنها: لَعِب ولَهْو [٨]، متاع قليل [٩]، ومتاع الغرور [١٠]، وهذا يشير إلى الوجه
[١]. من قبيل الآية ٩ من سورة هود: «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّارَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ» والآية ١٠٠ من سورة الإسراء: «قُلْ لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذاً لَّامْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ».
[٢]. من قبيل الآية ١٣١ من سورة الأعراف: «فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ».
[٣]. سورة الأعراف، الآية ٣٢ والآية ٤ و ٥ من سورة المائدة: «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ ...» والآية ٩٣ من سورة يونس: «وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ...».
[٤]. سورة الأعراف، الآية ١٣٠.
[٥]. سورة النساء، الآية ١٦٠.
[٦]. عوالى اللئالي، ج ١، ص ٢٦٧، ح ٦٦. عن قول النّبيالأكرم صلى الله عليه و آله.
[٧]. عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام، نهج البلاغة، الحكمة ١٣١.
[٨]. من قبيل: الآية ٣٢ من سورة الأنعام: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌوَلَهْوٌ» والآية ٣٦ من سورة محمّد: «إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ».
[٩]. من قبيل: الآية ٧٧ من سورة النساء: «قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ» والآية ٣٨ من سورة التوبة: «فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ».
[١٠]. من قبيل: الآية ١٨٥ من سورة آل عمران: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ».