موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧ - ٤ الفضل إلهي
الإلهي»:
«فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» [١].
وبالرغم من أنّ جملة
«وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ»
بإمكانها أن تستوعب معنى واسعاً من قبيل تحصيل العلم، زيارة المؤمن و ...، ولكن بقرينة الآية السابقة والآيات التي ستأتي بعد ذلك، إشارة إلى طلب الرزق والنشاط الاقتصادي.
ونقرأ في آية أخرى:
«وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» [٢].
وكذلك نقرأ:
«وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّنْ رَّبِّكُمْ» [٣].
وكذلك ورد في سورة البقرة قوله:
«لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» [٤].
وجدير بالذكر أنّ هذه الآية وردت في ضمن آيات تتعلق بمسائل الحج، وطبقاً للروايات الواردة في هذا الصدد فقد كان التعامل الاقتصادي بكافّة ألوانه محظوراً في موسم الحج عند الجاهليين، وكانوا يعتقدون ببطلان الحج إذا اقترن بالنشاط الاقتصادي، فالآية مورد البحث تعلن بطلان هذا الحكم الجاهلي وتؤكّد، أنّه لا مانع من التعامل الاقتصادي والتجاري في موسم الحج وتسمح بابتغاء فضل اللَّه في هذا الموسم عن طريق العمل والكد [٥].
بل إنّ النصوص الإسلاميّة التي تتحدّث عن حكمة الحج تشير أيضاً إلى الجوانب الاقتصاديّة إضافة إلى الجوانب الأخلاقيّة والسياسيّة والثقافيّة، وتؤكد على المنافع المختلفة للناس في هذه العبادة، والتي تشمل المنافع الاقتصاديّة أيضاً:
«وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ» [٦].
وبتعبير آخر: أنّ سفر المسلمين من كلّ فج عميق إلى بيت اللَّه الحرام لعقد مؤتمر الحج العظيم من شأنه أن يكون منطلقاً لتحرك اقتصادي عام في المجتمعات الإسلاميّة، وذلك يتحقق باجتماع الأدمغة الاقتصاديّة الإسلاميّة المفكّرة قبل أداء المناسك أو بعده لوضع اسس لاقتصاد سليم في المجتمعات الإسلاميّة يقوم على أساس التعاون والتبادل الاقتصادي بين أبناء الامّة الإسلاميّة، والاستغناء عن الأجانب والأعداء، وبلوغ المستوى الممكن واللائق من الإكتفاء الذاتي، ومن هنا فهذه المعاملات والمبادلات التجاريّة سبب لتقوية بنية المجتمع الإسلامي أمام أعداء الإسلام، ذلك لأنّ أي شعب من الشعوب لا يمكن أن ينال استقلاله الكامل دون أن يقوم على أساس اقتصادي قوي، ولكن النشاط الاقتصادي في موسم الحج ينبغي طبعاً أن ينضوي تحت الأبعاد العباديّة
[١]. سورة الجمعة، الآية ١٠.
[٢]. سورة المزمل، الآية ٢٠.
[٣]. سورة الإسراء، الآية ١٢. ورد إطلاق كلمة «فضل اللَّه» فيما يتعلق بالمال وبصورة واسعة في القرآن الكريم. ومنها يمكن الإشارة إلى: الآية ٥٧ من سورة التوبة؛ الآية ١٤ من سورة النحل؛ الآية ٦٦ من سورة الإسراء؛ الآية ٧٣ من سورة القصص؛ الآية ٢٣ و ٤٦ من سورة الروم والآية ١٢ من سورة الجاثية.
[٤]. سورة البقرة، الآية ١٩٨.
[٥]. انظر: التفسير الأمثل، ج ١، ذيل الآية مورد البحث.
[٦]. سورة الحج، الآية ٢٧- ٢٨.