موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - نظرة على تاريخ الحسبة في الإسلام
يستفاد من مجموع الروايات المذكورة آنفاً، مقدار وكيفية إشراف الحاكم الإسلامي ورقابته للسوق والعمليات الاقتصاديّة في المجتمع وضبطه للمعاملات بشكل مباشر.
نظرة على تاريخ الحسبة في الإسلام:
إنّ مسألة الحسبة والرقابة الخاصّة وعمليات التفتيش والتدقيق للأقسام المختلفة في المجتمع، لها جذور في تاريخ الإسلام وقد ورد في كتاب «نفحات القرآن» فيما يتصل بهذا المورد:
«وكانت دائرة «الحسبة» من الدوائر المعروفة في زمن الخلفاء وتشرف على نشاطات الكسبة والتجّار والفلاحين وشرائح المجتمع الأخرى من حيث المخالفات والمنكرات، وكلما رأى المحتسبون مخالفة كانوا ينهون مرتكبيها لها، فإن لم يؤثر فيهم النهي والتذكير والموعظة، كانوا يعاقبون المخالف في نفس المكان مباشرة، أو يقبضون عليه ويسلّمونه إلى القاضي فيأمر بحبسه.
وباعتقاد البعض، فإنّ جذور هذه المسألة تعود إلى عصر النّبيّ صلى الله عليه و آله حيث كان صلى الله عليه و آله يمارس عمل المحتسب بنفسه الشّريفة، وتارة كان يوكل الأمر إلى شخص ينتخبه لهذا الغرض، ولكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ استعمال هذا المصطلح لم يكن معمولًا به في ذلك العصر، ولم يكن موجوداً في كلام الفقهاء المتقدمين، ويبدو أنّ هذا المصطلح استعمل لأول مرّة، في عصر خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس، حيث انتخب لهذا الشق من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
وعلى أيّة حال، فإنّ الأخبار الواصلة عن عصر النّبيّ صلى الله عليه و آله تدل على أنّ كلمة «الحسبة» وإنْ لم تكن متداولة في ذلك العصر بمعناها ومفهومها المعهود اليوم، ولكن مفهومها الواقعي أي، النظارة على المسائل الاجتماعيّة من قبل الحكومة الإسلاميّة، كان مراعىً تماماً حينذاك، فتارة كان الرسول صلى الله عليه و آله يقوم بنفسه بهذه الوظيفة، واخرى، يوكلها إلى آخرين.
ومن جملة الشّواهد على ذلك، ما ورد من أنّ الرّسول صلى الله عليه و آله قد أمر سعيد بن سعيد بن العاص- بعد فتح مكة- بالإشراف على السّوق، حيث ورد فيالحديث:
«استعملَ رَسولُ اللَّهِ سعيد بنَ سَعيد بن العاص بَعْدَ الفَتح
على سُوق مكّة» [١].
حتى أنّ المستفاد من بعض الرّوايات، أنّ بعض النّساء كنَّ يمارسن وظيفة الإشراف على المسائل النّسائية (كمسائل الحجاب وأمثال ذلك)، ومن جملة تلك النّسوة امرأة باسم «سحراء» بنت نهيك [٢] التي أدركت عصر النّبيّ صلى الله عليه و آله، كانت مأمورة بالقيام بتلك الوظيفة، فكانت تدور في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر (وإن ذهب البعض إلى أنّها لم تقم بذلك الدور في عصر النّبيّ صلى الله عليه و آله وإنّما كان ذلك في زمن
[١]. التّراتيب الإدارية، للكتاني، ج ١، ص ٢٨٥ (ينقل الرّواية عن إبن عبد البرّ في الإستيعاب).
[٢]. نهيك على وزن شريك، وفيالأصل بمعنى الجمل القوي، والسّيف القاطع، ويطلق على الرجل الحازم أيضاً.