موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٦ - ٥ المشاركة العامّة والتعاون الاجتماعي فيسبيل التنمية الاقتصاديّة
يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ»
، حيث تبيّن بوضوح أنّ ملكيّة الإمام بالنسبة إلى «الفيء» (بإلغاء الخصوصيّة بالنسبة لجميع الأنفال) لغرض منع حدوث الفاصلة الكبيرة بين طبقات المجتمع، لأنّه تقرر أن تكون هذه المنابع داخلة في ملكية الأفراد أو فئة خاصّة من الناس، فإنّ جمهور الناس لا يستطيعون الاستفادة من ثمراتها، كما أنّه لو انعكس الحال وكانت هذه الموارد بيد الحكومة الإسلاميّة، فإنّها تستطيع إيصالها إلى مختلفة فئات المجتمع وخاصّة إلى الطبقة الضعيفة منه.
وما تقدّم بيانه يتعلق بفلسفة ملكيّة الإمام والحكومة الإسلاميّة، أمّا فلسفة الملكيّة العامّة والتي يكون جميع المسلمين وعلى امتداد الزمان مالكين لهذه الموارد من هذا القبيل، فيمكن القول في تسويغ مثل هذه الملكيّة، إنّ الإسلام كما أنّه يقرر الوحدة بين المسلمين في زمان معين، فإنّه يقرر أيضاً نوعاً من الوحدة والاشتراك لجميع الأشخاص الذين يشتركون في العقيدة على طول الزمان، ومثل هذا الاعتقاد والاشتراك يستدعي النظر إلى مصالح الأجيال اللاحقة والعمل على مستوى رفاه هذه الأجيال من خلال وضع خطط اقتصاديّة تحقق له هذا الهدف، وخاصّة عندما نرى أنّ الإشراف على هذا القسم من الأموال يقع بيد الحكومة الإسلاميّة، لأنّ الحكومة تستطيع وضع مقررات معينة في كيفية الاستفادة من هذه الموارد بحيث تؤمن مصالح الأجيال اللاحقة من المسلمين.
٥. المشاركة العامّة والتعاون الاجتماعي فيسبيل التنمية الاقتصاديّة
إنّ التعاون الاجتماعي، والذي يعبّر عنه ب «التكافل الاجتماعي»، يعني أنّ كلّ فرد من أفراد المجتمع الإسلامي مكلّف في نظر الإسلام بالعمل على قدر طاقاته من أجل خدمة مصالح الامّة [١].
وورد التعبير عن هذه المسألة في دائرة الثقافة القرآنيّة بعنوان «التعاون»، وطبعاً أن لا يكون هذا التعاون والتكاتف يقع في مسير الظلم على الآخرين بل لابدّ أن يصبّ في مجال الإحسان والنفع العام:
«وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» [٢]
، والتعاون في المجالات الاقتصاديّة للمجتمع الإسلامي يعدّ من أهم مصاديق التعاون على البر والتقوى.
وأشهر رواية تقع أساساً لهذا التعاون والتكاتف، ما ورد عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله نقله من مصادر الفريقين [٣]:
«كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيته»
، واللافت أنّ صاحب كتاب «إرشاد القلوب» ذكر في سياق هذا الحديث تطبيقات أخلاقيّة كليّة على موارد: منها:
الحاكم الإسلامي، الرجل بالنسبة لزوجته وأبنائه، والمسؤولون والموظفون بالنسبة لأموال الناس:
[١]. أحمد العناني، مقالة «أربعة أبعاد للتكافل الاجتماعي الإسلامي» مجلة «الوعي الإسلامي» العدد ٢٤٨.
[٢]. سورة المائدة، الآية ٢.
[٣]. مسند أحمد، ج ٢، ص ١١١؛ إرشاد القلوب، ج ١، ص ١٨٤.