موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
وطبعاً فإنّ الحريات المذكورة لا تتنافى أبداً مع الإشراف الدقيق والهادف للحكومة الإسلاميّة في هذا المجال وفرض بعض القيود في مجال هذه الحريات، القيود التي تمنع أن تكون الحرية في النظام الاقتصادي الإسلامي مطلقة ومنفلتة كما يلاحظ في الاقتصاد الرأسمالي، وبذلك يتميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره، كما أنّ أصل الحرية أيضاً يميز الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاد الاشتراكي الذي لا يعترف بالحرية والاختيار للنشاطات والفعليات الاقتصاديّة.
وببيان آخر، بالرغم من أنّ قاعدة السلطنة
«الناس مسلطون على أموالهم»
تقرر أنّ النشطاء الاقتصاديين أحرار في التصرف بأموالهم وثرواتهم بأي شكل كان واستثمارها بأي طريق يريدون، وعلى أساس
«كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» [١]
، التي تقتضي إباحة كلّ نوع من النشاط الاقتصادي ما لم يرد فيه نهي خاص، ولكن بما أنّ المؤمن، يعني الناشط الاقتصادي في البلد الإسلامي الذي يؤمن بالمبدأ والمعاد، يتحرك باتّجاه منافع الأعلى وسعادة أكمل وأدوم ويريد تحصيل المنفعة والسعادة في الدنيا والآخرة، فمن الطبيعي أنّه سيواجه على أساس العقل والوحي بعض القيود والتكاليف في حركته الاقتصاديّة، وهذه القيود والتكاليف تعيق ظهور الشركات الإحتكاريّة بدافع من تحقيق الربح الأعلى وطلب المنفعة الذاتيّة فقط، بحيث تسلب الحرية الحقيقيّة والبنّاءة من أفراد الطبقات الأخرى في المجتمع وبالتالي تتبدل إلى آليات ضغط على حساب سائر الأقسام والفئات الاجتماعيّة، وفي النهاية تقع جميع طبقات المجتمع في جميع المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة أسيرة بيد رغبات هذه الفئة من المستثمرين والرأسماليين ....
أ) اجتناب الفساد:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» [٢]
، واجتناب الحرام والخبيث:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّباً» [٣].
ب) اجتناب الربا وإن كان على شكل قرض أو ضمن المعاملات الربويّة، والقرآن الكريم يصرّح بهذه الحقيقة:
«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» [٤]
ويقول أميرالمؤمنين عليه السلام في خطابه للتجّار:
«يا معشر التجّار الفقه ثمّ المتجر، الفقه ثمّ المتجر، الفقه ثمّ المتجر، واللَّه للربا في هذه الامّة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شربوا إيمانكم بالصدق» [٥].
ج) اجتناب الإحتكار، بمعنى جمع الطعام وخزنه لغرض زيادة قيمته، وهذا هو السائد في العالم الرأسمالي اليوم [٦].
ونقرأ في الرواية أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال
[١]. من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٣١٧، ح ٩٣٧.
[٢]. سورة البقرة، الآية ٦٠.
[٣]. سورة البقرة، الآية ١٦٨.
[٤]. طورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٥]. الكافي، ج ٥، ص ١٥٠.
[٦]. انظر: مصباح الفقاهة، العلّامة الخوئي، ج ٣، ص ٨١٣، كتاب البيع، الإمام الخميني، ج ٣، ص ٦٠١.