موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - نقد وتحقيق
وفي ألمانيا فإنّ الحالة شبيهة للحالة في أمريكا:
«نّ ثروة ستمائة ميغا مليونير ألماني (سوپر ثري) بلغت ثلاثمائة مليار مارك، وثروة كلّ واحد من هؤلاء الستمائة نفر بلغت بين مائة مليون إلى عدّة مليار مارك» [١].
وكذلك طبقاً للاحصاءات المنتشرة، فإنّ في أمريكا ٤/ ٣٢ مليون نفر يعيشون تحت خط الفقر، وتشمل ٦/ ١٣ في المئة من نفوس أمريكا [٢]، ومن هذه الجهة فإن الديمقراطيين صرحوا في اللجنة الاقتصاديّة المشتركة للكونغرس بأنّ «تمركز الثروة في العقدين الماضيين ازداد بمقدار كبير» [٣].
وبديهي أنّ البلدان الرأسماليّة الأخرى أيضاً لو لم يكن حالها أسوء من أمريكا، فإنّها ليست بأفضل منها [٤].
وقد اعترف جماعة من علماء الغرب أيضاً بأنّ هذا النمط من التفكير يؤدّي إلى التضحيّة بالجمهور، ومنهم: آدلمان وموريس استناداً إلى الإحصاءات المقطعية، وقالوا: «إنّ التنمية الاقتصاديّة ليست فقط اقترنت بانخفاض سطح الدخل النسبي، بل انخفاض متوسط الدخل المطلق للفقراء» [٥].
ويقول هايمن مينسكي في جملة واحدة: «إنّ المجتمعات الرأسماليّة ظالمة وعاجزة (من الجهة الاقتصاديّة)» [٦].
وهنا يوجد استثناء واحد، وهو أنّه لو تقرر حقيقة سيادة القيم الأخلاقيّة على المجتمع البشري وتبدل التفكير بمحورية الفرد إلى محورية المجتمع وفي مثل هذه الظروف استخدمت رؤوس الأموال في مجال التنمية والاستثمار الصحيح، بأمل القضاء على أشكال الحرمان على المدى الطويل بسبب هذه التنمية الاقتصاديّة، وإن كانت على حساب العدالة في مدّة قصيرة، فهذا الأمر ربّما يمكن قبوله، ولكننا نعلم أنّ التنمية الاقتصاديّة في العالم المعاصر لم تتحرك في هذا الاتّجاه أبداً، بل إنّ نتيجته، مزيد من الثروة والأموال للأثرياء وزيادة الفواصل بينهم وبين الطبقات الضعيفة والمحرومة.
وأحد الشواهد الجلية على هذا الكلام هو أنّ هؤلاء يصرحون في الكلام والعمل أيضاً أنّه يجب أن تكون المصانع بحيث يقلّ احتياجها يوماً بعد آخر إلى العمّال لئلا يضطرون إلى إنفاق أموال كثيرة من أرباح هذه المصانع إلى المهندسين والعمّال الفنيين والعاديين، وهذا شاهد بيّن على أنّ التنمية الصناعيّة في العالم المعاصر لا تتحرك أبداً في طريق العدالة، حتى على المدى الطويل، وأنّ النمو الاقتصادي هو الهدف الأساس لا العدالة والتنمية، وفي الحقيقة فإنّ النمو وازدياد الثروة هو الدافع الأصلي لا رفع الحرمان عن الناس.
والنتيجة، نحن نعتقد أنّ المسؤولين والحكّام لو راعوا الأصول الأخرى للتنمية ومن خلال الإدارة الصحيحة والتخطيط المعقول واستطاعوا جذب اهتمام الناس ومشاركتهم وتحركوا في مجال التنمية من موقع
[١]. النقد، الفائدة، الأزمان الاقتصاديّة- الاجتماعيّة (پول، بهره، بحرانهاى اقتصادى- اجتماعى) بالفارسيّة، ص ٦٦ (همان).
[٢]. الإسلام والأزمة الاقتصاديّة (اسلام و چالش اقتصادى) بالفارسيّة، محمّد عمر جپرا، ترجمة السيد حسين مير معزي و ...، ص ١١٩- ١٢٠.
[٣]. المصد السابق، ص ٢٠٤.
[٤]. انظر: المصدر السابق، ص ٢٠٣- ٢٠٥.
[٥]. الفصلية (الاقتصاد الإسلامي) فصلنامه اقتصاد اسلامى بالفارسيّة، العدد ١٦، ص ١٦٣.
[٦]. الإسلام والأزمة الاقتصاديّة (اسلام و چالش اقتصادى) بالفارسيّة، ص ٧٦. ولمزيد من الاطلاع على الفواصل الطبقيّة في المجتمع الأمريكي وومجتمعات رأسماليّة أخرى وعللها، انظر: النظام الاقتصاي في الإسلام (نظام اقتصادى اسلام) بالفارسيّة، المباني المذهبيّة، ص ٧٦- ٩٤.