موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٢ - ١ غصب حقوق العمّال
والقرآن الكريم مع شجبه هذه الظاهرة، يرى بأنّ النساء حالهنّ حال الرجال في مالكيتهن لأموالهنّ وهنّ مختارات في إنفاق هذه الأموال:
«لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ...» [١].
إنّ قصّة استغلال واستعمار الشعوب وخاصّة في القرون الأخيرة قصّة طويلة جدّاً ومحزنة، وقد سفك بسببها دماء الملايين من الشعوب، وحالياً أيضاً فإنّ هذه الظاهرة مستمرة فيما يتصل بالبرامج الخادعة والمغرية بالنسبة لحقوق الإنسان، حيث تحترق شعوب وجماعات كثيرة من العالم بنيران الفقر والحرمان، وفي كلّ عام يموت ملايين الأشخاص بسبب الجوع أو سوء التغذية، في حين أنّ بعض الناس في تلك الجهة من العالم تنفق ثروات عظيمة في حياة الترف والإسراف والتبذير وبدوافع اشباع الأهواء والشهوات، وقد كتبت لحدّ الآن كتب ومقالات عجيبة في هذا المجال.
أجل! إنّ أحد العوامل المهمّة للفقر يتمثّل في قوى الظلم والهيمنة، الذين يستولون على أتعاب الآخرين ويمتصون جهودهم ويقودونهم نحو هاوية الفقر والمسكنة.
إنّ أولياء الإسلام الحقيقيين أكدوا كثيراً على لزوم دفع ثمرة أتعاب الناس وحقوقهم إليهم ولم يكونوا مستعدين لإعطاء دينار واحد من أتعاب الناس لغيرهم بدون حق.
وفي الخبر أنّ عبداللَّه بن زمعة، وهو أحد أصحاب الإمام علي عليه السلام، طلب من الإمام عليه السلام في زمان خلافته مساعدة مالية، فقال له الإمام عليه السلام:
«... إنّ هذا المال ليس لي ولا لك ... فَجَناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم
...» [٢].
العوامل الخارجية الأخرى:
وثمة عوامل أخرى أيضاً لا تتصل بوجود الزعماء والقادة، لأنّ جميع أفراد المجتمع وبشكل فردي أو جمعي (حكّام، القضاة، التجّار، أرباب العمل أو الناس العاديين) بإمكانهم إيجاد أو تشديد الفقر، وجميع هذه العوامل تعود للظلم أو الجهل.
وببيان آخر: إذا فقدت العدالة من أجواء المجتمع البشري أو سادت حالات الجهل على الذهنيّة العامّة فإنّ الفقر سيستولي على الناس، كما ورد في رواية عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنّه قال:
«لو عُدِلَ في النّاس لَاسْتغنوا» [٣]
، وينهى القرآن الكريم عن أكل المال بالباطل:
«وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...» [٤]
، وأكل المال بالباطل له معنى واسع جدّاً ويستوعب جميع النشاطات الاقتصاديّة غير المشروعة التي تشمل كلّ حقّ من حقوق الآخرين.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في كلام عميق:
«إنّ النّاس ما افتقروا، ولَا احتاجوا، ولا جاعوا، ولا عروا إلّا بذنوب الأغنياء» [٥].
وبعض هذه العوامل والأسباب كالتالي:
١. غصب حقوق العمّال
إنّ أحد العوامل المهمّة للفقر في عصرنا الحاضر بل في كلّ زمان ومكان الظلم والجور الذي يقوم به أرباب العمل بالنسبة للعمّال، فلا يعطوهم من حصتهم وحقّهم إلّاسهماً قليلًا، وبالرغم من وجود قوانين ومقررات في عصرنا الحاضر لحفظ حقوق العمّال ولكننا نرى بكلّ وضوح أنّ الكثير من أرباب العمل، وخاصّة أصحاب المصانع والشركات الكبيرة، يلقون بهذه القوانين جانباً أو يعملون على تفسيرها بما يصب
[١]. سورة النساء، الآية ٣٢.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٢.
[٣]. كافى، ج ١، ص ٥٤٢.
[٤]. سورة البقرة، الآية ١٨٨.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ٦، ص ٤، ح ٦.