موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - ٤ النظام السياسي والثقافي
بشكل مناسب بحيث يصل إلى مرتبة الاكتفاء الذاتي والاقتدار الاقتصادي.
ومع التدقيق في أسباب التبعية للكثير من البلدان من الجهة السياسيّة، نصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّ العامل الأساس لهذه التبعية والإرتباط بالأجنبي، الحاجات الماليّة وعدم الاكتفاء الذاتي في مجال الاقتصادي لهذه البلدان.
وعلى هذا الأساس فلو تقرر، وعلى أساس الحديث النبوي:
«الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» [١]
، أن تكون الامّة الإسلاميّة ذات سيادة مستقلة واعتبارنا أنّ هذا الأصل ركناً أساسياً في الثقافة الدينيّة، وأنّ فقهاء الإسلام من خلال الاستدلال بهذه الرواية أفتوا بأنّ الإسلام لا يقبل حتى بعلو دار الكافر الذمي على دور المسلمين [٢]، وإذا كان المسلمون، وطبقاً للآية الشريفة:
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» [٣]
، مأمورين بتوفير الحدّ الأعلى من قواهم وقدراتهم إلى درجة أنّ الأعداء سيخافون من التعرض للمسلمين والعدوان عليهم، ولو فهمنا أنّ اللَّه تعالى [٤]، وعلى أساس الآية:
«وَلَنْ يَجْعَلَ
اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» [٥]
، لا يرضى بأي نحو من أنحاء الاستيلاء والتسلط من قِبل الكفّار على المؤمنين، فيجب على الناشطين الاقتصاديين في الامّة الإسلاميّة أن يتحركوا على مستوى إيجاد البرامج الاقتصاديّة بحيث يوصلون الامّة الإسلاميّة إلى مرتبة الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، ويتخلصوا بالتالي من ذلة التبعية والارتباط بالأجانب.
ولا شك أنّ تحقيق هذا الهدف سيوفر الأرضية المناسبة لتحقق البعض الآخر من أهداف الاقتصاد الإسلامي، مثل الرفاه العام، العدالة والتنمية الاجتماعيّة والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي أيضاً، وعلى هذا الأساس في صورة التزاحم ودوران الأمر بين الحاكميّة السياسيّة وتلك الأهداف السامية، فيجب على الامّة الإسلاميّة ولغرض تحقق وبقاء هذا الهدف أو الوصول إليه، تحمل المشكلات والمعاناة الناشئة من فقدان الأهداف الأخرى مثل الرفاه والأمن، وهذا هو الشيء الذي ورد في قصّة شعب أبي طالب في صدر الإسلام، وفي العصر الحاضر ما نراه من المحاصرة الاقتصاديّة والعسكرية لبعض البلدان الإسلاميّة من قِبل قوى الهيمنة والاستكبار العالمي.
ومن مظاهر ولوازم عدم الاكتفاء الذاتي في مجال الاقتصاد، أنّ الكثير من المجتمعات الإسلاميّة في العالم المعاصر أصبحت مظهراً من مظاهر جلب المعونات والقروض الخارجية، إنّ رؤوس الأموال التي تأتي من البلدان الثريّة بذريعة الاستثمار وإيجاد التنمية الاقتصاديّة في البلدان الفقيرة، فإنّ الآثار المخربة لهذا النوع من المعونات يمس استقلال النظام السياسي في هذه البلدان المقترضة وإيجاد سدٍّ أمام
[١]. من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ٣٣٤، ح ٥٧١٩.
[٢]. انظر: تذكرة الفقهاء، ج ٩، ص ٣٤٤؛ جواهر الفقه، ص ٥١؛ جواهرالكلام، ج ٢١، ص ٢٨٤.
[٣]. سورة الأنفال، الآية ٦٠.
[٤]. انظر: اقتصادنا، ص ٣٩. يقول الشهيد الصدر (قدس اللَّه نفسه): إنّ عموم «ما استطعتم من قوّة» شامل للاستعداد الاقتصادي أيضاً.
[٥]. سورة النساء، الآية ١٤١.