مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٣٠ - الجواب عن حجّة القول بالوجوب
و قد قال في موضع آخر: إنّ الوجوب عندنا ضربان [١]، و ليس المراد أنّه من الألفاظ المشتركة، بل الغرض مجرّد ثبوت الاستعمال و إمكان الحمل و التنزيل مع وجود الدليل.
و يدلّ على ما قلناه اتّفاق الأصحاب قديماً و حديثاً على الاستدلال بالوجوب و السنّة على المعنيين المعروفين في جميع المسائل الخالية من المعارض، كما يرشد إليه تتبّع كتب الاستدلال، و إنّما يذكرون غيرهما إذا وجد معارض من نصّ أو إجماع، على أنّ الأدلّة هنا ليست مقصورة على لفظ الوجوب، بل الدلالة من وجوه متعدّدة قد أشرنا إليه آنفاً [٢]، و منها مثل قوله (عليه السلام): «على الرجال و النساء» [٣]، و قوله: «عليهنّ» [٤].
و لا يتأمّل أحد في دلالته على الوجوب، كما في قوله «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» [٥]، و قد ورد ذلك في جملة من أخبار هذا الباب مجرّداً عن المتعلّق، و متعلّقاً بالوجوب، و ذكر الوجوب لا يخرجه عن الدلالة عليه، كما هو ظاهر.
و الغرض من هذا التطويل التنبيه على وهن ما اتّفق لكثير من المتأخّرين هنا [٦]، حيث أقدموا على منع الدلالة في لفظ الوجوب و السنّة، و بنوا ترجيح الندب على
[١]. تهذيب الأحكام ٢: ٤٣، باب أوقات الصلاة، ذيل الحديث ٨٣/ ١٣٢، و فيه: «الوجوب على ضروب عندنا، منها ما يستحقّ بتركه العقاب، و منها ما يكون الأولى فعله و لا يستحقّ الإخلال به العقاب، و إن كان يستحقّ به ضرب من اللوم و العتب».
[٢]. كالإلزام ب«على»، و الأمر بالغُسل، و النهي عن تركه، و تفسيق التارك و أمره بالاستغفار، و غير ذلك ممّا تقدّم ذكره في الصفحة ٣٢٦.
[٣]. ورد في رواية منصور بن حازم المتقدّمة في الصفحة ٣٢١.
[٤]. ورد في رواية عليّ بن يقطين، المذكورة في الصفحة ٣٢٢- ٣٢٣.
[٥]. آل عمران (٣): ٩٧.
[٦]. راجع: الصفحة ٣٢٨.