مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٣٢ - الردّ على أدلّة القول بالوجوب عند تضيّق الوقت
حيث أنّها شرط للعبادة لا يكون إلّا بعد دخول وقت العبادة المشروطة بها، فإنّهم لمّا حاولوا المحافظة على اعتبار ذلك مطلقاً أشكل عليهم الأمر في الغسل الواجب للصوم، لامتناع وجوبه بعد دخول الوقت، و استلزامه تأخّر الغسل عن الصوم، فاختلفوا في التفصّي عنه على وجوه صارت أقوالًا:
منها: القول بالوجوب النفسي، و قد عرفت أنّه لا يشفي عليلًا، و لا يروي غليلًا.
و منها: تنزيل آخر الوقت هنا منزلة دخول الوقت في غيره. و هو في الحقيقة هدم لذلك المبنى، و بناء الحكم على الشيء و ضدّه.
و منها: صرف وجوب الغسل للصوم عن ظاهره، و جعل الغاية توطين النفس على إدراك الفجر طاهراً. و هو الذي اعتمده شيخنا البهائي (رحمه الله) في حبله [١].
و فيه: أنّ وجوب التوطين على إدراك الفجر طاهراً فرع وجوب الغسل قبل الوقت، فإن صحّ فلا حاجة إلى غيره، و إلّا لم يجب التوطين، فلا يمكن جعله غاية.
و لقد أغرب الشيخ الفاضل ابن إدريس (رحمه الله)، حيث انتحى مسلكاً آخر في هذا المطلب، فنفى وجوب الغسل قبل الوقت مطلقاً، مع اعترافه بتوقّف الصوم عليه و تصريحه بأنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب. فإنّه بعد ما أثبت وجوب غسل الجنابة لغيره أورد على نفسه النقض بالغسل للصوم، و قال: «و قد بقي سؤال (في أدلّتك عاطل، فإن حلّيته بجواهر البيان فالرجوع إلى الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل، و هو أنّه) [٢] إذا كان غسل الجنابة لا يجب إلّا عند دخول وقت الصلاة- على
[١]. لم نجده عليه في الحبل المتين، بل وجدناه في مشرق الشمسين: ٢١٣، حيث قال فيه: «و أمّا وجوب غسل الجنابة قبل الفجر للصوم، فلوجوب توطين النفس على إدراك الفجر طاهراً، فالغاية واجبة». و لعلّ منشأ الاشتباه في نسبة المؤلف إلى الحبل المتين، حكاية هذا القول في الحدائق الناضرة ٣: ٥٩، و نسبته إلى هذا الكتاب، و الظاهر أنّ المؤلّف أيضاً أخذ منه و اعتمد عليه.
[٢]. ما بين القوسين لم يرد في السرائر، و الظاهر أنّه نقله عن رسالته.