مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٣٠ - الردّ على أدلّة القول بالوجوب عند تضيّق الوقت
الغسل إنّما يجب بوجوب واحد نفسي حاصل من حين وجود سببه، و يتضيّق في آخر الليل إذا بقي منه مقدار الغسل، و هو مطابق لظاهر المنقول عن القائل بالوجوب النفسي في جميع الطهارات، من وجوبها بحصول أسبابها وجوباً موسّعاً لا يتضيّق إلّا بظنّ الوفاة، أو تضيّق العبادة المشروطة بها.
و لاستدلال القائلين بوجوب غسل الجنابة لنفسه، بأنّه لو كان واجباً لغيره لزم جواز الإصباح على الجنابة في شهر رمضان، بناءً على أنّ الوجوب للغير إنّما يكون بعد دخول الوقت.
فإنّ ذلك كلّه يعطي نفي الوجوب الغيري، و ثبوت النفسي، و تضيّقه بتضيّق وقت العبادة المشروطة بالطهارة، و أنت خبير بفساد ذلك؛ فإنّ الوجوب النفسي إنّما يتضيّق عند ظنّ الوفاة خاصّة، و أمّا تضيّقه بتضيّق العبادة المشروطة بالطهارة فغير معقول؛ لأنّ التضيّق بهذا الاعتبار يتبع وجوبها للغير، كما هو ظاهر.
فالقائل بالوجوب النفسي لا بدّ له من القول بالوجوب الغيري، و لا غناء له عنه، و النزاع بينه و بين غيره لا يليق أن يكون في ثبوت الوجوب للغير، فإنّه أمر معلوم لا شبهة فيه، بل هو من الضروريّات التي لا يصلح فيها الخلاف، و الذي يصلح أن يكون محلًاّ للخلاف بينهما هو ثبوت الوجوب النفسي مع الغيري، أو انتفاء ذلك حتّى يكون الثابت هو للغيري فقط، فالقائل بالوجوب للغير يقول: إنّ وجوب الطهارة وجوب واحد غيري لا يتضيّق إلّا عند تضيّق الواجب المشروط به.
و أمّا القائل بالوجوب النفسي، فإنّه لا بدّ أن يُثبت ذلك، و يزيد عليه بإثبات وجوب آخر نفسي يتضيّق عند الوفاة، فيجتمع عنده الوجوبان النفسي و الغيري، و يتضيّق الأوّل بظنّ الوفاة، و الثاني بتضيّق العبادة المشروطة بالطهارة. و محلّ الاجتماع في مثل الصلاة إذا دخل الوقت، و في الصوم آخر الليل على القول باختصاص وجوب الغسل للصوم بهذا الوقت. و لذلك صرّح جماعة من أصحاب هذا القول بلزوم تخصيص الوجوب به، و إن قيل بوجوب الغسل لنفسه، و المراد لزوم تخصيص الوجوب الغيري؛ فإنّ الوجوب النفسي لا يختصّ بالآخر قطعاً. و لا مانع