مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٢٩ - الجواب عن حجّة القول بالوجوب
الشارع و لم يعلم تجدّد الوضع بعده، و لفظ «الوجوب» من هذا القبيل، و كذا «السنّة».
و لو حصل التردّد في الخطابات النبويّة فلا ريب في ثبوت الوضع في زمان الأئمّة (عليهم السلام)، فإنّه من زمان المتشرّعة، و قد تقرّرت فيه الاصطلاحات من العامّة و الخاصّة، و كان بدوّ الخلاف في الحقيقة الشرعيّة من ذلك الوقت، كما يشهد به كتب الأُصول حيث نسب الخلاف فيها إلى كثير من القدماء، و لو نوزع في «الوجوب» و «السنّة» لأمكن النزاع في «التحريم» و «الندب» و «التطوّع» و «النفل»، و نحو ذلك؛ فإنّ الطريق في جميعها واحد، مع أنّهم لا يرتابون في كثير من تلك الألفاظ.
نعم، قد يستعمل كلّ منها في خلاف معناه الحقيقي لداعٍ أو صارف، كما هو الشأن في جميع الحقائق، فإنّ استعمالها في المعاني المجازيّة أكثر من أن تحصى حتّى قيل:
إنّ أكثر اللغة المجازات [١].
قال الشيخ بعد الاستدلال بأحاديث الوجوب على الندب: «فإن قيل: كيف تستدلّون بهذه الأخبار و هي تتضمّن أنّ غسل الجمعة واجب، و عندكم أنّه سنّة ليس بفريضة؟ قلنا: ما تتضمّن هذه الأخبار من لفظ الوجوب فالمراد به أنّ الأولى فعله، و قد يسمّى الشيء واجباً إذا كان الأولى فعله» [٢].
ثمّ استدلّ على ذلك بصحيحتي زرارة، و عليّ بن يقطين، و غيرهما ممّا يدلّ على الندب [٣]، و مقتضاه الاعتراف بكون الوجوب ظاهراً في المعنى المعروف، و إن صرف عنه صارف في هذه الروايات.
[١]. نسبه في مدارك الأحكام ١: ٧١، إلى بعض محقّقي أهل اللغة، و عدّه الوحيد البهبهاني من المسلّمات في مصابيح الظلام ٥: ٥٣٤.
[٢]. التهذيب ١: ١١٧، باب الأغسال المفترضات و المسنونات، ذيل الحديث ٢٦/ ٢٩٤. و فيه: «فالمراد به أنّ الأولى على الإنسان أن يفعله».
[٣]. و قد تقدّم ذكرها في الصفحة ٣١٠ و ٣١١.