منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٩٤
المحض، فإنّه لو كان من أتباع هذا المسلك لامتثل كلامه (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولما احتاج إلى قول أبي بكر أو غيره من الصحابة.
وثمّة مواقف أُخرى يفهم منها أنّه كان لعمر آراء خاصّة كان يجدّ في ترسيخها ويلزم بها الصحابة على الرغم من معرفته بمواقف الرسول منها.
منها: أنّه كان لا يرتضي البكاء على الميّت، وقد ضرب بعضَ الباكين على رقيّة بنت النبيّ وإبراهيم ابنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بحضرته (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وقول رسول الله: إنّ القلب ليحزن والعين لتدمع، مشيراً إلى عدم جواز ضرب المصدومين والمنكوبين، بل يجب اتّخاذ أُسلوب الرحمة معهم لا الشدّة والضرب، وقد جاء عنه أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) مسح عين فاطمة لمّا كانت تبكي على أُختها رقيّة، وأمَرَ نساء الاَنصار بالبكاء على عمّه حمزة وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) (ولكنّ حمزة لا بواكي له) وقد بكى (صلّى الله عليه وآله وسلم) عليه.
وجاء عن عمر أنّه اعترض على رسول الله لمّا أراد أن يصلّي على منافق، وأخذ بثوبه (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقال له: أتصلّي عليه وهو منافق[١]؟! ثمّ ندم عمر على ما فعله معه (صلّى الله عليه وآله وسلم).
ولا تنحصر مواقف عمر بهذه المفردات بل تتعدّاها إلى أبعد من ذلك، فإنّه أنكر على رسول الله فعله في أخذ الفداء من الاَسرى في بدر، لاَنّه كان يرى أن يعمد حمزة إلى أخيه العبّاس فيقتله، ويأخذ عليّ أخاه عقيلاً فيقتله، وهكذا كلّ مسلم له قرابة في أسرى المشركين يأخذ قريبه ويقتله بيده حتّى لايبقى منهم أحد.
فأعرض رسول الله عن هذا الرأي تعبُّداً بالوحي الموافق للرحمة والحكمة.
ولمّا كان التاريخ والفقه ـفي أحد مدارسهـ ممّا رسمته ريشة الحُكّام واختطّت أُصوله في زمن الشيخين، فإنّنا نجد من المؤرّخين والمحدّثين مَن ينال مِن رسول الله كي يبرّر ما فعله الشيخان معه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فيذهب إلى القول بأنّ ما قالاه هو تفسير لما نزل من القرآن في تلك الواقعة، وأنّه نزل قوله تعالى (ما
[١] انظر تفاصيل الخبر في اجتهاد الرسول: ٢٠٩ ـ ٢١١ .
===============