منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٣٩
إلى حجّيّة كلام الصحابيّ، واستغلال مفهوم اجتهاد النبيّ وإنّه قد أخطأ في فداء أسرى بدر، والصلاةِ على المنافق، وقوله: إنّما أنا بشر إذا أمرتُكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتُكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر أُخطىَوأُصيب[١] وغيرها.... كلّها رؤىً قد رُسمت لتصحيح اجتهادات الخليفة، ولرسم المبرِّر لما يذهب إليه.
فسؤال الصحابة الخليفة عن الحكم الشرعيّ وبالعكس، يعني طلب الجميع الوقوف على ما حكم به الله ورسوله، فلو كان اجتهاد الخليفة عمربن الخطّاب عندهم حجّة، لاَخذوا به ولَما ذكّروه بما قاله الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) وما فعله، ولَمَا تراجع هو عمّا أفتى به في كثير من المواطن! وهذا دليل على أن سيرة الشيخين لم تكن حجّة عند المسلمين في الصدر الاِسلاميّ الاَوّل ـ وعلى التحديد قبل تأسيس الشورى ـ حيث وقفت على تخطئة الصحابة للخليفة عمر، وتخطئة الواحد منهم للآخر.
فلو صحّ ما نُسب إلى رسول الله من أنّه أكّد على لزوم اتّباع سنّة الشيخين بقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر..)، فَلِم نرى الصحابة لايأخذون بأمر الرسول حيث خالفوا رأي الشيخين من بعده؟
قال الدكتور ديب البغا، وهو بصدد بيان أدلّة النافين لحجّيّة مذهب الصحابيّ: "...أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كلّ واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر، فلم ينكر أبو بكر وعمر[٢]رضي الله عنهما على مخالفيهما بالاجتهاد، بل أوجبوا على كلّ مجتهد في مسائل الاجتهاد أن يتّبع اجتهاد نفسه، ولو كان مذهب الصحابيّ حجّة لما كان كذلك، ولكان يجب على كلّ واحد منهم اتّباع الآخر، وهو محال"[٣].
إنّ الناس كانوا يريدون الوقوف على سنّة رسول الله لا سنّة الشيخين، والخليفة ـ كما عرفت ـ لا يعرفها جميعاً، ومن هنا بدأ يواجه مشكلة جدّيّة
____________
[١] مناهج الاجتهاد في الاِسلام: ٣٤٩.
[٢] بل أنكر عمر على الكثير منهم وهدّدهم وعاقب كما مرّ، ويأتيك أكثر من ذلك.
[٣] أثر الاَدلة المختلف فيها في الفقه الاِسلاميّ، للدكتور مصطفى ديب البغا: ٣٤٧.
===============