منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٧٦
وغيرهما من القضايا والاَحكام.
والبعض الآخر من الصحابة لا يرتضي مثل هذه الاجتهادات، إلاّ إذا كانت مستنبطة من النصّ قرآناً أو سنّةً. وهؤلاء يعتقدون أنّ رسول الله كان من المتعبّدين بالنصوص، وأنّه كان لا يقول بالرأي والظنّ، بل ينتظر الوحي ليفصل في الوقائع ويبتّ في الاَحكام، وقد قال سبحانه وتعالى عنه: (ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى )[١]، وقال جلّ جلاله: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بما أراكَ الله )[٢].
أمّا قوله تعالى: (وَما كانَ لمُؤمنٍ وَلا مُؤمنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورسولُه أمراً أنْ يكونَ لَهُمُ الِخيَرَةُ مِن أمَرِهِمْ )[٣]، فيحتمل أن يكون إشارة إلى فعل أُولئك المجتهدين الذين يريدون التعرّف على المصلحة وهم بحضرة رسول الله ـ المبلِّغ عن الله ـ، وسبحانه وتعالى أراد بقوله التصريح بعدم جواز عمل هؤلاء؛ لاَنّه (جلّ وعلا) قد أكمل شريعته في كتابه وكلّف رسوله بتبيين أحكامه للناس، وقد صرّح بهذا المطلب واستدلّ بهذه الآية عبد الله بن عبّاس حبر الاَُمّة في ردّ الخليفة عمر بن الخطّاب في موضوع الاِمامة أيضاً.
فالاجتهاد والاَخذ بالظنّ في الاَُمور ليس لهما دليل قطعيّ من الوحي، بل هو تعدٍّ على صاحب الشريعة، وإفتاء بغير ما أنزل الله لقوله (قُلْ ءآللهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللهِ تَفْتَروُن )[٤]؟!
نعم، كان هؤلاء الصحابة لا يجوّزون الاَخذ بالرأي، لمعرفتهم بوجود من يعرف التنزيل والتأويل بينهم ومن خصّه الله بالفهم والعلم، ولمعرفتهم بجواز ترك الاَخذ باجتهاد الصحابيّ؛ لاَنّ كلامه مجرّد رأي شخصيّ يمكن تركه، وليست له قيمة إلزاميّة في الشريعة الاِلـهيّة، كما هو ثابت ومعروف عند الجميع.
____________
[١] النجم: ٣ ـ ٤.
[٢] النساء: ١٠٥.
[٣] الاَحزاب : ٣٦ .
[٤] يونس: ٥٩.
===============