منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٤٥
فَلِمَ فعل الشيخان ذلك؟!
ومرّةً أُخرى.. فإنّ المنع عن تدوين السنّة الشريفة وإقلال الحديث عن رسول الله هو الذي أوجد الاجتهاد عند الشيخين، واجتهاد الشيخين هو الذي حدا بعثمان أن يجتهد كذلك ويُحْدِث الاَحكام طبق ما يراه من مصلحة، والخلفاء بعد هؤلاء ـ إلاّ عليّ بن أبي طالب ـ قد وجدوا في الاجتهاد والمصلحة بُغيتهم، وأنّه خير غطاء يمكن الاحتماء به لتصحيح آرائهم.
وأمّا عليّ بن أبي طالب فقد عارض فكر هذا الاتّجاه. وكلماته في النهج وغيره توضّح ذلك وتجلّيه بما لا يَدَع مجالاً للشكّ. وإليك نصّين عنه في أيّام خلافته يوضّحان معالم الاختلاف وجذور المسألة.
الاَوّل قوله (عليه السلام): (... وإنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع وأحكام تُبَْتدع، يُخالَف فيها حكم الله، يَتولّى فيها رجالٌ رجالاً. ألا إنّ الحقّ لو خَلَصَ لَميَكن اختلاف، ولو أنّ الباطل خَلَصَ لم يَخْفَ على ذي حِجى، لكنّه يؤخذ من هذا ضِغثٌ ومن هذا ضِغثٌ، فيمزَجان فيجعلان معاً، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى. إنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: كيف أنتم إذا لَبِسَتْكُم فتنة يربو فيها الصغير ويَهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتّخذونها سنّة، فإذا غُيِّرَ منها شيء قيل: قد غُيّرت السنّة وقد أتى الناس منكراً؟! ثمّ تشتدّ البليّة وتسبى الذرّيّة، وتدقّهم الفتنة كما تدقّ النار الحطب، وكما تدقّ الرحا بثِفالها[١]، ويتفقّهون لغير الله ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة.
ثمّ أقبل بوجهه، وحوله ناس من أهل بيته وخاصّته وشيعته، فقال: قد عملتِ الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله متعمّدِين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيِّرِين لسنّته، ولو حملتُ الناس على تركها وحوَّلْتُها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله لتفرّق عنّي جندي، حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرضَ إمامتي من كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة
____________
[١] الثفال بالكسر جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمى الحجر الاَسفل: ثفالاً بها.
===============