منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٩٦
هذا، وقد عُرف عن رسول الله أنّه كان يحكم بين الناس في المدينة، ـ وفي هذا ما يفهم منه أنّه كان يحكم ـ طبق الاَدلّة والموازين. وفي هذا ما يعني ـ بما لامجال للشكّ فيه ـ أنّه قَنَّنَ الحكم بالظاهر لكي لا تنخرق نواميس الشريعة والقوانين البشريّة التي جرت عليها سنّة الخلق.
إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لاتّصاله بالوحي إنّما كان يعرف حكم الشرع، وذلك لمعرفته بما في اللوح المحفوظ؛ لاَنّ من الثابت عند المسلمين نزولُ القرآن مرّتين: نزل في الاَُولى كاملاً ليلة القدر، ونزل في الثانية نجوماً في الوقائع والاَحداث المختلفة، فقد يكون ما أفتى به النبيّ هو لِما عرفه من اللوح المحفوظ وإن لم تنزل عليه بالتنزيل الثاني ـ آية صريحة ـ لحين ذلك التاريخ.
وكذا الحال بالنسبة إلى ما قالوه في تمنّي رسول الله تحويلَ القبلة إلى المسجد الحرام؛ فلو كان اجتهاداً منه لحوّلها ولَما ظلّ ستّة أشهر أو سبعة يصلّي إليها حتّى نزل قوله تعالى : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)[١]هو لاَجل انتظاره للوحي وتعبّده بأمر السماء، لا إتياناً منه (صلّى الله عليه وآله وسلم)بحكم يخالف شريعة الله.
وأمّا الاستدلال على اجتهاد الرسول بقوله تعالى: (إنّا أنْزَلْنا إليكَ الكِتابَ بالحقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ الله) وتفسيرهم (بما أراك) بمعنى: بواسطة نظرك واجتهادك في أدلّة الاَحكام.. فإنّه تفسير خاطىَ ومخالف لظاهر الآية؛ لاَنّ منطوق الآية وبقرينة السياق ـ (إنّا أنزلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ لِتحكُمَ بينَ الناسِ بما أراكَ الله)[٢]صريحة بأنّ معناه هو لزوم استقائكَ الحكم من الكتاب لا اجتهاداً من عند نفسك!
وأمّا أنصار مدرسة الرأي من الصحابة، فكانوا يريدون تعميم اجتهاداتهم حتّى على الاَحكام الشرعيّة، وذلك بالطبع بعد عصر رسول الله. لاَنّهم في عصر النبيّ كانوا يرجّحون أن تكون الاَحكام مستوحاة من النصّ ومن كلام الرسول بل كان النبيّ يردعهم عن الرأي، لاَنّه المرجع المصحّح لما قد يقعون فيه من الاَخطاء، لكنّهم وبعد وفاته(صلّى الله عليه وآله وسلم) اجتهدوا، فيما فيه نصّ وفيما لانصَّ فيه.
____________
[١]البقرة : ١٤٤ .
[٢]النساء : ١٠٥ .
===============