منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤٢
وهذا الذي قلناه من أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي استعمل الاجتهاد واقترحه أكثر من أبي بكر، لايتنافى مع ما قيل من إنّ القياس حدث في العصور المتأخّرة والاَزمنة اللاحقة، نتيجة لضرورات زمنيّة مرّت بها الدولة وفقهاؤها آنذاك. لاَنّ أصل نشوء فكرة الاجتهاد ببذراتها الاَُولى كان من مبتكرات عمر كما اتّضح لك في البحوث السابقة، لكنّ ذلك النشوء لم يكن متكامل الجوانب والمباني، بل ظلّ يتعثّر في خطاه ويكبو، واعترض عليه الكثير من الصحابة والتابعين إلى أن اكتملت أُصوله وصارت له بنيويّة متكاملة خاصّة يميّزه عن غيره من أُصول الاجتهاد التي رسموها وذلك في العصور المتأخّرة ـ في أوائل القرن الثاني الهجريّ ـ، فلذا نرى بروز أسماء أُخرى واصطلاحات مستجدّة أُخرى إلى جانبه كالاستحسان والمصالح المرسلةوو.. وهذا واضح لاغبار عليه.
بيان الاِمام عليّ (عليه السلام)
وبذلك صارت الفتاوى تؤخذ عن رأي وقياس ، وليس جميعها عن نصّ ورواية؛ فلذلك كان بعض الصحابة ـ كما قلنا ـ لايرتضون الاجتهاد فيما لانصّ فيه؛ لقربهم من زمن التشريع ولمعرفتهم بمن عنده نصوص عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في القضايا الحادثة، بَيدَ أنّ خفاءها على الخليفة لايعذّره ليفتح أبواباً واسعة للاجتهاد، لاَنّ في ذلك خطراً على الفقه والعقيدة الاِسلاميّة. وقد جسّم الاِمام عليّبن أبي طالب واقع الاَُمّة والصدر الاَوّل من تاريخ الاِسلام وفي هذه الفترة الحسّاسة بقوله في بعض مقاطع الخطبة الشِّقشقيّة:
(... يَكْثُر العِثارُ فيها، والاعْتِذارُ منها، فصاحِبُها كَراكِب الصَّعْبَةِ: إنْ أشْنَقَ لها خَرَمَ، وإنْ أسْلَسَ لها تَقَحَّم، فَمُنِيَ الناسُ لَعَمْرُ اللهِ بِخَبْطٍ وشِماسٍ، وتَلوُّنٍ واعْتِراضٍ، فَصَبَرْتُ على طولِ المُدّة وشِدّة المِحنَة...).
قال ابن أبي الحديد في شرح: قوله (عليه السلام): "ويكثر العثار فيها والاعتذار منها" قال: ليست هذه الجهة جَدَداً مهيعاً، بل هي كطريق كثير الحجارة، لايزال الماشي فيه عاثراً، وأمّا قوله عليه السلام (والاعتذار منها) فيمكن أن تكون
===============