منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤١٨
ويؤكّد ما ذكرناه ـ من تأكيد الاَئمّة على المواريث "الفرائض" والقضاء والشهادات ـ ما رواه محمّد بن مسلم، قال: سألته عن ميراث العلم ما بلغ؟ جوامع هو من العلم أم فيه تفسير كلّ شيء من هذه الاَُمور التي يتكلّم فيها الناس من الطلاق والفرائض؟ فقال: إنّ عليّاً (عليه السلام) كتب العلم كلّه، القضاء والفرائض...[١]
فعدول الاِمام عن الطلاق إلى القضاء بعد ذكر العلم كلّه، فيه إشارة إلى ما تقدّم من كثرة حصول التحريف والتبديل في هذين البابين، وهذه نكتة ذكر الخاصّ بعد العامّ، لاَنّك قد عرفت أنّ عمر بن الخطّاب كان يجهل الكثير من أحكام القضاء، وكان يجهل حكم الجدّة والكلالة وغيرهما، وكان يتّكل كثيراً على قضاء الآخرين كعليّ بن أبي طالب وغيره، وكان الاَئمّة يؤكّدون علىإخراج كتاب عليّ في القضاء والمواريث لما أصاب المسلمين في هاذين من تبدل واختلاط.
وقد كان الاِمام جعفر يعتزّ بوجود صحيفة عليّ والجفر عنده، وأنّها من مكنون علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر له وقيعة لولد الحسن، وذكرنا الجفر، فقال: والله إنّ عندنا لجلدي ماعز وضأن، إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ عليّ، وإنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً، أملاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّها عليّ (عليه السلام) بيده وإنّ فيها لجميع ما يحتاج إليه حتّى أرش الخدش[٢].
وبعد هذا نعلم أنّ الاِمام جعفراً كان رأس الهرم في البناء التدوينيّ عند أئمّة أهل البيت، وأنّه كان جلّ اعتماده على كتاب عليّ وباقي كتب آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما ورثوه، من صحف الاَنبياء والمرسلين.
والعجيب في الاَمر أنّ أتباع مدرسة المنع ظلّوا يعيبون على أصحاب المدوّنات حتّى عصور متأخّرة، ويعتبرون أنّ الاَخذ عن الرجال هو العلم أمّا النقل عن النصوص فهو العيب إذ مرَّ عليك رمي أبي حنيفة الصادق بأنّه، لكنّ
____________
[١] بصائر الدرجات : ١٦٤ .
[٢] بصائر الدرجات : ١٥٤ .
===============