منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٦
وعلّق صاحب تدوين السنّة الشريفة على كلام الشيخ عبد الغنيّ بقوله: وهذا الكلام ليس فيه وراء الخطابة أمرٌ علميّ ولا استدلال بشيء، بل هو بعيد عن الموضوعيّة، حيث إنّ البحث إنّما هو عن حرمة التدوين! وأين هذا الكلام من ذلك، فهو إنّما ينفق في سوق الرغبات والطبائع وما تحبّ أو تكره!
وهل هذا يوجب ترك أمر شرعيّ مهمّ ـ كالحديث ـ عرضةً للنسيان وغيره من آفات الذاكرة وعدم ضبطه وتوثيقه بالكتابة والتدوين[١]؟!
ولنا مع هذا الرأي وقفتان:
الاُولى: يردُّ هذا التوجيه لو فرضنا كون النهي قد صدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّ هذا النهي ـ كما سترى فيما بعدـ لم يكن شرعيّاً، ولم يصحّ ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المورد، بل إنّ أحاديث النهي قد صدرت تحت ظروف سياسيّة وقناعات سابقة من أشخاص معيّنين أرادوا للتحديث والتدوين أن لا ينطلقا في عالم أرحب.
الثانية: لو سلّمنا بصحّة هذا الرأي، فإنّ ذلك يستلزم أن تكون الكتابة محرّمة؛ مع أنّ كراهة الاتّكال على الكتابة لا تعني حرمتها، بل تعني عدمالرغبة فيها. فلو كانت محرّمة لما كتبها بعض الصحابة، ومن ثمّ كانوا إذا حفظوها مَحَوها، كما نقل ذلك عن القاضي عياض[٢].
ثمّ ألا ترى القول بمنع تدوين الحديث بدافع المحافظة عليه أشبه شيء بالتناقض؟! وكيف يُتَصوّر أن يحثّ المعلّم تلاميذه على العلم ويحرّضهم على صون محفوظاتهم من النسيان ثمّ يوصيهم ألاّ يدوّنوها ولايتدارسوها؟!
أليس صون العلم والمحافظة عليه بالكتابة والتدوين أولى وأجدى من حفظه واستظهاره؟!
ولو تذكّرنا أنّ كلّ ما كُتِبَ قَرّ وكلّ ما حُفِظَ فَرّ، فَلِمَ التأكيد على حفظ الحديث وتجويزه من قبل الحفّاظ، والقول إنّ منع الكتابة جاء للمحافظة
____________
[١] تدوين السنّة الشريفة: ٣٧٠.
[٢] منهم: عاصم بن ضمرة (راجع المحدّث الفاصل)، وخالد الحذّاء (راجع تقييد العلم: ٥٩)، وعبيدة (انظر جامع بيان العلم ١: ١٦٦).
===============