منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٤٨
وبهذا عرفت أنّ النصوص وضّحت أمراً آخر غير ما هو في مخيلتنا، وهو أنّ الشيخين كانا يهتمّان بأمر التجارة أكثر من الاستزادة من علم الرسول، وفي قبال ذلك نرى وجود صحابة قد دعا لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالعلم والفهم كقوله لابن مسعود: إنَّك غلام مُعَلَّم، ودعائه لمعاذ وابن عبّاس بقوله: اللّهمّ فقّهه في الدين، وغيرهم فمن أُولئك عليّ بن أبي طالب فَقَد نصَّ في أكثر من مرّة على أنّه عرف جميع علم الرسول واختصّ به، وأنّه كان يخلو برسول الله في اليوم مرّتين صباحاً ومساء وكان يُناجيه ، حتّى جاء عنه: سَلُوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفتُ بِلَيلٍ نَزَلت أم بنهار، في سهل أم في جبل.
ولتأكيد الموضوع خُذْ نصوصاً أُخرى:
أخرج البخاريّ، عن عُبَيد بن عُمَير: أنّ أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً، فكأنّه وجده مشغولاً، فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبداللهبن قيس ـ يعني به أبا موسى ـ؟ ائذنوا له، فدعي به فقال: ما حَمَلك على ما صنعت؟
قال: إنّا كنّا نؤمر بهذا.
قال: لَتُقِيمَنّ على هذا بيِّنةً أو لاَفعلنّ ـ وفي لفظ آخر: لاَُوجِعَنّ ظهرَك وبطنك فخرج، فانطلق على مجلس من الاَنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلاّ أصغرنا.
فقام أبو سعيد: فقال: كنّا نُؤمر بهذا.
فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ألهاني عنه الصَّفق بالاَسواق[١].
وعلَّق النوويّ على كلام أبي سعيد بقوله: فمعناه أنّ هذا الحديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتّى أنّ أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله.
وقد أنزل سُبحانه آيات في ذلك منها قوله تعالى: (فَلاَ تَدْخُلُوها حتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)[٢]و(إلاّ أن يُؤْذَنَ)[٣].
____________
[١] مسند أحمد ٤: ٤٠٠، صحيح البخاريّ ٩: ١٣٣.
[٢] النور: ٢٨ .
[٣] الاَحزاب: ٥٣.
===============