منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٨
إضاعة الاَحكام وإبادتها يدخل في دائرة المحرّم والممنوع؛ لاَنّه يؤول إلى إضاعة معالم الدين وأحكامه، فكان الموقف المناسب أن تُوَحَّد المرويّات وفقاً لمقياس ما يتّخذه الخليفة، وأن يلجم الكذّابين ويمنعهم من التحديث، وأن يرفع الخلاف الظاهريّ بعرض الروايات على القرآن أو منقولات الصحابة الآخرين المثبتين، إلى غير ذلك من سبل ضبط الحديث، والاَخذ به ممّا يتّبعه المسلمون اليوم.
ثمّ إنّ أمر الخليفة الصحابة أن يقولوا لمن يسألهم عن مسألة ما: "بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحِلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه"... ففيه مسامحة واضحة، إذ كيف يمكن معرفة الاَحكام الشرعيّة من القرآن وحده دون الرجوع إلى السنّة الشريفة؟ ثمّ ألم يكن القرآن حَمّال أوجه، منه المجمل ومنه المبيّن، والمحكم والمتشابه، والعامّ والخاصّ، والناسخ والمنسوخ؟ فكيف يمكن الوقوف على حلال الله وحرامه من القرآن وحده؟! ثمّ كيف يكِلُ الناسَ إلى القرآن وهو القائل عن الكلالة: أقول فيها برأيي فإن كان صحيحاً فمن الله وإن كان خطأً فمن نفسي!!
ولماذا تمنّى أن يسأل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ميراث الجدّ والجدّة بعد موته(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان ما ورد في القرآن من حلال وحرام يكفيه؟!
ولو صحّ قول الخليفة، فَبِمَ نفسِّر كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين، حيث رسم أصلَين للتشريع الاِسلاميّ هما (الكتاب والسنّة) أو (الكتاب والعترة) كما في روايات أُخرى؟
ألا يعني ذلك أنّ العتِرة أو السنّة ماثلان حاضران بين المسلمين، ولذلك تراه يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): "تركتُ فيكم"؟
وهذا يعني أنّه لابُدّ من وجود مفسّرٍ للقرآن من سنّة أو عترة، استناداً إلى كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يعني مرّة أُخرى أنّه لا يمكن فهم أحكام الله من القرآن وحده.
ولابدّ أنّ رسول الله قد أرشد المسلمين إلى سنّة واضحه وعترة شاخصة حين أرجع أُمّته إليها.
===============