منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٥١
الرأي والقياس، والآخر لا يرتضيهما مستدلاًّ بأنّ القرآن والسنّة يغنيان عن الرأي والقياس وأنّ الشريعة ليست بناقصة لكي تكمل بالقياس.
وكان النهجان على اختلاف دائم، فالذي دعا إلى الاَخذ بسنّة رسول الله نهى عن الرأي وصرّح بلزوم تدوين السنّة وأكّد أنّ القرآن ليس بناقص، وأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، وهؤلاء كانوا يحدّثون بالسنّة ولو وضعت الصمصامة على أعناقهم[١]، أمّا الذي دعا إلى الاجتهاد والرأي فقد خالف التدوين وفتح باب الرأي في كلّ شيء.
رموز الاجتهاد والخلافة
من جهة أُخرى نرى أنّ الذين كانوا يذهبون إلى الاَخذ بكلمات الشيخين وحتّى المخالفة منها للنصوص كانوا لا يرتضون إكثار الحديث عن رسول الله، ويعارضون التدوين، ومن يراجع عهود يوم الشورى وسبب ترجيح الخليفة عمربن الخطّاب كفّة ابن عوف فيها، وإلزامه الجميع بالخضوع لما يتّخذه من قرار، يجد أنّ هذه الوقائع تنبىَ عن حقيقة سياسيّة، قال عنها الدكتور إبراهيم بيضون:
"... ومن ناحية أُخرى، فإنّ البروز المفاجىَ لعبد الرحمنبن عوف بعد حادثة الاغتيال وظهوره في الوقت المناسب إلى جانب عمر ـ حيث دعاه لاَن يؤُمَّ الصلاة بعد طعنه ـ يحتاج أيضاً إلى بعض المناقشة؛ فقد انتقل هذا الصحابيّ الاَرستقراطيّ فجأة إلى واجهة الاَحداث، بعد أن عاش على هامشها، ليقوم بالدور الاَوّل في تسمية الخليفة!"[٢].
فاستبان إذَاً أنّ السياسة كانت وراء رسم بعض الاَُصول المأخوذ بها اليوم في الشريعة، ومنها تطبيق ما سُنّ على عهد الشيخين، إذ إنّ محوره كان الشورى
____________
[١] كما صرّح بذلك أبو ذرّ، انظر سنن الدارميّ ١: ١٣٦، صحيح البخاريّ ١: ٢٧، حجّيّة السنّة ٣: ٤٦٤.
[٢] ملامح التيّارات السياسيّة في القرن الاَوّل الهجريّ: ١٠٣.
===============