منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٥٦
"ولكن هل أفتى العلماء بمقتضى ما فعله عمر٢ على مرّ العصور؟ وافق كثير من العلماء عمر٢ وخالفه آخرون[١].
وأعتقد أنّ مصالح الناس هي الحكم في ذلك، فإذا رأى أُولو الاَمر ـ كما رأى عمر أنّ إمضاءها ثلاثاً يحقّق المصلحة أمضَوها، وإن رأوا المصلحة العامّة في إيقاعها واحدة فهي واحدة كما كانت حتّى سنتين من خلافة عمر.
ولذا ذهب ابن القيّم: إلى أنّ إيقاعها واحدة في العصور المتأخّرة أكثر مراعاة للمصلحة، وقطعٌ لذريعةِ فسادٍ اجتماعيّ وهو انتشار التحلّل حين كان يفتي بوقوعها ثلاثاً، فيلجأ الزوجان "إلى ما كان عليه في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وخليفته منالاِفتاء بما يعطّل سوق التحليل أو يقلّلها أو يخفّف شرّها[٢].
ويقارن ابن القيّم بين العصور المختلفة واختلاف المصلحة باختلاف ظروف الناس، فيقول: إنّ الثلاث مجموعة على عهد رسول الله وأبي بكر كانت تقع واحدة، وكان التحليل محرّماً وممنوعاً منه، ثمّ صارت في بقيّة خلافة عمر ثلاثاً، والتحليل ممنوع منه، ثمّ صار التحليل كثيراً منتشراً ومشهوراً، والثلاث ثلاث. العقوبةُ إذا ترَكَت مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه وجب تركها"[٣].
وقد أثّر اجتهاد الخليفة عمر بن الخطّاب في فقه المسلمين لامحالة.
فذهبت المالكيّة والحنابلة إلى أنّ فاعل هذا [أي الطلاق ثلاثاً] آثم يفوّت الغرض الذي من أجله شرّع التعدّد، ويرى الشافعيّ وابن حزم أنّ ذلك خلاف الاَولى وليس محظوراً لعموم النصّ، ويرى الحنفيّة أنّه طلاق بدْعيّ إذا كان بلفظ واحد أو بألفاظ متفرّقة في طُهر واحد[٤].
وقال الدكتور مصطفى البغا، بعد نقله رأي عمر في الطلاق: فهذا ممّا تغيّرت به الفتوى لتغيّر الزمان، وعلم الصحابة حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيتة
____________
[١] انظر تفسير القرطبيّ ٣: ١٢٩.
[٢] أعلام الموقّعين ٣: ٤٨.
[٣] اجتهاد الرسول: ٢٤٢.
[٤] مناهج الاِسلام للدكتور مدكور: ١٧٧.
===============