منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٩١
غريباً، طريداً، منفيّاً، وعاش عمّار كذلك حتّى استشهد ولم يترك شيئاً، وكذلك شأن الباقين من رؤساء هذه المدرسة وأتباعها.
وفي المقابل نرى الترف والبذخ عند عثمان بن عفّان ومروانبن الحكم ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقد ذكر المؤرّخون ما تركه هؤلاء من أموال وعقارات بعد وفاتهم.
وهذا الترف المتزايد لا يتلائم مع منطق الدين وأحكامه، وقد عرف الخلفاء والحكّام ذلك حقّ المعرفة، فعن العبّاس بن سالم قال: بعث عمربن عبدالعزيز إلى أبي سلام الحبشيّ، فحمل على البريد، فلمّا قدم على عمربن عبدالعزيز، قال: يا أمير المؤمنين! لقد شقّ عَلَيَّ محملي على البريّة!
فقال عمر: ما أردنا المشقّة بك يا أبا سلام! ولكنّه بلغني عنك حديث ثوبان مولى رسول الله في الحوض، فأحببت أن تشافهني به، فقال أبو سلام: سمعت ثوبان مولى رسول الله يقول سمعت رسول الله يقول: إنّ حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، أكاويبُهُ عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أوّل الناس وروداً عليه الفقراء، فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله من هم؟ قال: هم الشعثُ رؤوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعِّمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد.
فقال عمربن عبدالعزيز: لا جرَمَ والله لقد فتحت أبواب السدد، ونكحت المتنعمات: فاطمة بنت عبد الملك، إلاّ أن يرحَمَني الله، لا جرم لاأدهن رأسي حتّى يشعث ولا أغسل ثوبي الذي على جسدي حتّى يتّسخ.[١] ففي هذا صراحة أنّ الشعث رؤوسهم هم المجاهدون في سبيلالله العابدون له، الذين لم يلتهوا ببهارج الدنيا، فهم شعث الرؤوس ودنس الثياب لاشتغالهم بالجهاد والعبادة وعدم المبالاة بالدنيا، وقد اعترف ابن عبدالعزيز بأنّه ليس من أُولئك ثمّ أراد أن يلتحق بهم فظنّ أنَّ الاتّساخ ـ في الشَّعَر والملبس ـ هو سبيل الجنَّة، ولم يتنبّه إلى أنّ المراد منه هو عدمالاهتمام ببهارج
____________
[١] مسند عمر بن عبد العزيز : ١١٦ .
===============