منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٠١
وقد تبنّى هذا الاتّجاه في جذوره الاَساسيّة بعض الصحابة على عهد رسول الله، إذ اتّضح لك موقف أبا بكر وعمر في قضيّة المتنسّك وأنّهما لميقتلاه لصلاته وخشوعه ، وغيرهم من الصحابة الذين صاموا الدهر مع وجود نهي عن رسول الله فيه و... فهؤلاء قد دعوا إلى مشروعيّة الرأي والخليفة عمربن الخطّاب حكَّم فكرتهم لما أحسّه من العوز إلى النصوص، فالسماح بالقياس والاجتهاد ثمّ صعود عمر المنبر واعتراضه على الصحابة لاختلافهم في الآراء يعني أنّهما كانا يريدان حصر الرأي وحجّيّته بهما، دون غيرهما، ويُلزمان الصحابة بالتعبّد بما يقولانه، بيد أنّهما لم يوفَّقا في ذلك، لاَنّ القول بمشروعيّة الرأي والاجتهاد له اتّساع ومطّاطيّة وانسياب، ولا يمكن لاَحد حكره على نفسه.
إنّ القول بمشروعيّة تعدّديّة الرأي هو ما أوقع الاَُمّة في الاختلاف. وقد وضّح أبوبكر هذه الحقيقة بقوله: (والناس أشدّ اختلافاً من بعدكم)، ومثله ما قاله الخليفة لعمر كما في رواية البيهقيّ ـ آنفة الذكر ـ : (شكا إليه الحكم بين الناس...).
أمّا الاِمام عليّ بن أبي طالب فقد وضّح الاَمر بأجلى صوره في الخطبة الشِّقشقيّة حيث يقول : (... يَكْثُرُ العثارُ فيها والاعتذار منها، فصاحِبُها كراكبِ الصَّعْبة: إنْ أشْنَقَ لها خَرَم، وإن أسْلَسَ لها تَقَحّم، فَمُنِيَ الناس لعمرُ الله بخبطٍ وشماس...).
ولو تدبّرنا كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الخميس: (أئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين: (ما إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً) مع الاَحاديث الواردة عن أهل البيت ونهيهم عن الاَخذ بالرأي، وكون الرأي بنظرهم ابتعاداً عن السنّة، لعرفنا أنّ أمر التدوين ومنعه كانا أمرين مرتبطينِ بالشريعة، لكن سخّرهما الخلفاء لخدمة مصالحهم وآرائهم، فمنعوا التدوين والتحديث حينما رأوا ضرورة في ذلك، وفتحوه أيضاً عندما أرادوا ذلك.
فالاَُمّة الممتحنة كلّما ابتعدت عن أهل البيت زادت بُعداً عن الحقّ
===============