منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٧٦
والجغرافيّ كان له أثر كبير في هذه المرويّات؛ وذلك لقرب الشام من الروم المسيحيّة الديانة ولوجود الثقل المسيحيّ فيها آنذاك، فيمكن أنّ تكون تلك المرويّات "صحف تبشيرية" ـلو صحّ التعبيرـ حاولوا من خلالها اختراق الفكر الاِسلاميّ، فلم تكن تحتوي على ما قاله النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) حقّاً، ولسقوط مثل هذه الصحف المجهولة المصدر والكاتب والمُملي ـأي المحدِّثـ نرى أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) يلتفتون إلى هذه النكتة، ويعلمون أنّها مُسقطة لمثل تلك الاَحاديث عن الاعتبار، لذلك نراهم يؤكِّدون على الصحف التي عندهم، فيبيِّنون مصدرها وكاتبها وممليها فيقول الصادق (عليه السلام) لمن وسمه بإنّه صحفي: "أنا رجل صحفيّ، وقد صدق ـ أبو حنيفة ـ قراتُ صحف آبائي وإبراهيم وموسى"[١]. ويقول أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في وصف كتاب عليّ (عليه السلام) بأنّه "إملاء عليّ من فلق في رسولالله"، فهم (عليهم السلام) يوضِّحون: أنّ صحفهم متوارثة كابراً عن كابر عن رسولالله، وأنّ حَفَظَتَها وكُتَّابَها هم الاَئمّة (عليهم السلام). وأنّ فيها أحكام الله من لدن موسى وإبراهيم (عليه السلام) حتّى نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم). وقد جاء في الكامل، لابن عديّ: ولجعفربن محمّد حديث كثير عن أبيه عن جابر، وعن أبيه عن آبائه، ونسخ لآل البيت يرويها جعفر بن محمّد...[٢].
د ـ أنّ تلك الصحف ـأو الكثير منهاـ لم تكن تجمع في طيّاتها الفرائض والاَحكام، ولا شيئاً من التفسير وشرح الآيات، وإنّما كانت تضمّ غيرذلك، ففيها على ما يبدو قصص وأخبار، وأحاديث وأذكار لم ينزل الله بها من سلطان، وهذا النوع غالباً ما تكون فيه يدٌ للقصّاصين والاَخباريّين، من تضخيم لبعض الحقائق، وتعتيم على حقائق أُخرى، تبعاً للظروف والمُيول والاَهواء والعصبيّات القبليّة، وغيرها من عوامل الزيادة والنقصان، وتغيير أو تبديل الاَُمور، فقد ورد في المرويّات قولهم: "صحيفة فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه"، وقولهم: "فرأينا صحيفة فيها قصص وقرآن" وقولهم:
____________
[١] انظر روضات الجنّات ٨ : ١٦٩، قاموس الرجال ترجمة محمّد بن عبد الله بن الحسن ٨:٢٤٣، ورياض السالكين ١:١٠٠.
[٢] الكامل لابن عديّ ٢ : ٥٥٨ وعنه في التهذيب ٢ : ١٠٤ والسنّة قبل التدوين:٣٥٨.
===============